يقول المثل الروسي: ليس كل يوم عيد، لنأكل فيه الحلوى. فالأعياد مواسم يلتمس فيها الناس أسباب السرور والاغتباط، وينعمون فيها بالحلوى وكعك العيد. واستقبال حجاج بيت الله. البعض يحتفل احتفالاً خاصاً، فينهض من نومه مبكراً، يسعى فيه إلى الحمام لكي يستقبل العيد طاهرا نظيفا. مبرأً من أدران الحياة اليومية. يرتدي أفضل ما عنده من ثياب لهذا اليوم، ليلقاه الناس في أجمل مظهر.
ما أشد حاجة العالم البائس إلى عيد، يتطهر فيه من هذه الأدران التي تراكمت عليه في السنين الماضية، لينزع ثوب فتنة الحروب والشقاء والجوع والخوف الذي كسته هذه السنوات . ويبدو في ثياب الهدوء والطمأنينة بعد كل ما عاناه من العذاب والحرمان. غير أن العالم بعيد كل البعد عن أسباب الراحة والاطمئنان. وقد غشيته الحروب الضروس، أشاعت الخراب والاضطراب المادي والنفسي.
حروب أشد هولا ومقتا من الحرب العالمية الأولى والثانية. وقد أدار رجال الحرب دفتها بدقة وعناية وإحكام وبراعة ضد ما يسمونه الإرهاب. وأثبتوا أن الحضارة الغربية لها من القدرة على التخريب والتدمير. وعلى إشاعة الهلاك والشقاء، وما يفوق أقصى ما يتصوره الخيال البشري. ثم جاء على آثارهم رجال السياسة، فأثبتوا عجزهم الفاضح عن إقامة ما تهدَم، وإصلاح ما فسد، لأنهم لم يستطيعوا أن يخلصوا سياساتهم من دوافع الشهوات.
ومن أشد ما يعانيه عالم اليوم، عالم القطب الواحد، أن زمام الأمور أصبحت بأيدٍ مثل الولايات المتحدة الأميركية. لها من الثروة والضخامة، ما يجعلها في مركز المهيمن المسيطر. ولكن ليس لها من التجارب والحنكة وصدق الضمير ما يؤهلها لهذه التبعة الخطيرة، فهي أشبه بطفل له جسد رجل بالغ.
فقد أوتيت القوة والجسامة. وفي جسمها من الأعضاء الضخمة والسواعد المتينة، ما يجعلها بمثابة الجبار ذي القدرة والجبروت. ولكن ليس في هذا الجسد الضخم سوى عقل طفل صغير. وهذا العقل الصبياني، قد أمكنه أن يدرك أن لديه هذا الجسد الهائل، يستطيع أن يوجهه كيفما يشاء، وأن يؤثر به أبلغ الآثار. فجعل يوجهه في سياسة، هي أشبه بعبث الوليد، لولا أن لها ضحايا من النفوس المعذبة والاضطرابات السائدة في مشارق الأرض ومغاربها.من أفغانستان إلى العراق.
لقد أمكن للولايات المتحدة بحكم بعدها الجغرافي عن ميادين الحرب في النقاط الساخنة من العالم، إلى زيادة إنتاجها على جميع الأصعدة، زيادة مضاعفة. المحافظون الجدد يجنون ثمار الدول، دون أن يحتملوا فيه نصيب من خراب وتدمير. آن الأوان لأن يدرك عقل الطفل الذي يسيره جسد المراهق، فك الحصار عن تلك الدول وبناء ما تهدم ورأب ما تصدع، لكي تكتمل للمراهق السعادة والرفاهية.
لا شك أن سلاح القضاء على الإرهاب الذي يتخذه المحافظون الجدد، سلاحاً فعالاً، يخضع بعض الدول لأهوائها ونزعاتها. لكن هذا السلاح في صورته المراهقة والصبيانية، ولَد البغض والكراهية في نفوس الشعوب. هل ينسى أن أعداء الولايات المتحدة هم في كل العالم، المتضرر من هيمنتها ومن انتصاراتها وقوتها وبطشها، من الجيش الأحمر الياباني، إلى البلقان، إلى الفلبين، إلى كوبا وبنما وأميركا اللاتينية وبيلاروسيا، إلى العراق والسودان.
ليس أدل، على قلة فطنة السياسة الأميركية ومسلكها المنحاز من القضية الفلسطينية أيضا، حيث نرى عقلا قليل النضج. «مع التمييز بين الشعب الأميركي وبين إدارته. وغالبا ما تكون الشعوب مغلوبة على أمرها». ولا يمكن أن يتصور العقل اضطرابا في الإدراك واختلالا في الموازين، كالذي نشاهده في معالجتها المضطربة لقضية واضحة المعالم. إذ لم تكتف الإدارة الأميركية بذلك،. بل أمرت رجالها الذين يعرفون القضية الفلسطينية، ويرون فيها وجه الصواب والعدل، أن يلتزموا الصمت، أو، الاختفاء من ساحة المعركة.
ولم يجد المحافظون الجدد بأسا في أن يثبتوا للعالم، أن هيئة الأمم المتحدة ليست سوى ألعوبة تحركها كما تشاء. وأن تأييدها وتمجيدها ليس إلا ضربا من ضروب الرياء السياسي، ولا يزيد السياسة الدولية إلا فسادا. لا نظن أن في العالم عاقلاً يراقب هذه الازدواجية في سياسة المحافظين الجدد، وبقيت في نفسه بقية من الاحترام، أو، التقدير للإدارة الأميركية الحالية. لم تستطع الأفكار الصبيانية أن تقدّم حلولا مقنعة للعالم.
ويبدو أنها ستبقى مجرد أطروحات للإعلام العالمي، ولتسيير ماكينة الفضائيات التي درج بوش على الظهور فيها من حين لآخر دون أن يضيف شيئا جديدا عما درج عليه.خطابات الرئيس بوش الأسبوعية، أو، تلك الخطابات الموجّهة إلى الشعب الأميركي من حين لآخر. في ظل الأزمات المتتالية، قد تؤدي بالعالم إلى الانهيار فعلا.
إن سياسة الإدارة الأميركية العملية، التي يراها المواطن الأميركي متجسدة على الأرض، ولاسيما في فلسطين والعراق ولبنان، تجعل قول القائلين: خالف سياسة تلك الإدارة، وكن على يقين بأنك على صواب.آن الأوان أن يتحاور العالم بوضوح، فإما أن تتحمل الإدارة الأميركية مسؤوليتها كقوة كبرى، بنجاح وقدرة وعدل، وإما أن تترك أمن الشعوب للشعوب وحق تقرير المصير لأصحاب المصير. مع التخلي عن التلاعب السياسي والقرصنة وازدواجية في المعايير، والكيل بآلاف المكاييل.