رأيت فيما يرى النائم في منامه بأن الجمهورية الأوروبية التي أعيش فيها تحولت ذات يوم غريب إلى جمهورية قمعستان، ورفعت رايتها الجديدة المثلثة برسم نجمة خماسية عليها، حين ظهر رئيسها أمام كاميرات التلفزيونات ليعلن بأن اسمه منذ اليوم أصبح شيراق أي الشرقي الأصيل، وبأن حرمه برناديت غيرت اسمها إلى عنايات. ثم أعلن بأن لقبه الرسمي من اليوم فصاعدا هو الركن المهيب وقائد الثورة المظفر، كما أعلن حالة الطوارئ في العاصمة وأكبر المدن الأوروبية.
وتعجب الناس من هذا الانقلاب المدهش، لكن لا أحد منهم تجرأ على طرح سؤال أو إبداء اعتراض أسوة بالوضع الجديد في بلاد النور. ولم أصح من نومي حتى قرأنا في صحيفة اليوم بأنه تم إلقاء القبض على السيدة زعيمة الحزب اليساري المعارض متلبسة بجريمة النيل من الأخلاق الحميدة وتم عرض شريط التقط لها وهي في أوضاع غير لائقة،
واكتشف المواطنون بأن هذه المرشحة للرئاسة عن الحزب المعارض ما هي سوى بائعة كلام فاضي وهوى، بل وطالبت بعض الجمعيات بتسليط أقصى العقوبات على المرأة وتم عرض بيع بيتها في المزاد العلني وتأمين عيالها في مركز الرعاية الحكومية إلى أن يطلق سراحها، في صورة ما إذا أطلق.
ومن الغد طلعت علينا القناة الأولى بخبر حل الحزب المناهض حلا نهائيا لأنه حسب وكالة الأنباء الرسمية تحول إلى عصابة مفسدين، وتهاطلت على قصر القائد برقيات التأييد والمباركة من كل حدب وصوب لتعزيز موقف الرئيس شيراق والشد على أياديه البيضاء لأنه أنقذ البلاد والعباد من أفعى سامة طامعة في السلطة. ونعتتها الإذاعة بأنها تصطاد في الماء العكر
وأن أنصارها في قلوبهم مرض وألقي بعدد منهم في محتشد شرقانامو الرهيب. وزاد من دهشة الناس إلقاء القبض على المتشدد اليميني المتطرف متلبساً بتهمة عقد اجتماع بأنصاره وتم حجز أدوات الجريمة من ميكروفون وجهاز تسجيل وأجهزة كمبيوتر وأقلام وقرطاس وعلب كوكاكولا وقارورة ماء معدني، واقتيد الجمع إلى محتشد يقع في جزر ما وراء البحار النائية.
وفي يوم الغد تمت مداهمة المنظمات الانفصالية في جزيرة( سيكيكا ) ومنظمات (الماسك) والجمعيات المطالبة بتدريس اللغات الإقليمية وأودعوا السجون في انتظار المحاكمة الاستعجالية بقوانين الطوارئ. وتذكر الرئيس شيراق بأن في السجن رجلا حاول اغتياله يوم العيد الوطني 14 يوليو من عام 2002 بإطلاق الرصاص عليه عن قرب وهو من جماعة اليمين المتطرف وتم إنقاذ حياة الرئيس آنذاك من قبل الجمهور الحاضر في شارع الشانزيليزيه،
وكانت محكمة عادلة وعلى نياتها في العهد البائد حكمت على المتهم بعشر سنوات سجنا بتهمة محاولة الاغتيال فقط لا غير، وقرر الرئيس شيراق إعادة المحاكمة المتسامحة ونصب من رفاقه الأوفياء بسرعة محكمة الشعب وقام فقهاء القضاء بتغيير القانون الجنائي وتغيير الدستور ومثل المتهم بتهمة حرمان الشعب من رئيسه وإدخال البلاد في بلبلة وبث الفوضى في صفوف الأمة
واعترف بأن له شركاء في التخطيط للجريمة وهم سبعة من أشقائه وأختان وأبوه وأمه وأعمامه الخمسة وأخواله الأربعة وجمع من سكان قريته الريفية النائية بمن فيهم الحلاق وساعي البريد وراعي الغنم والخبازة والعمدة الذي لم يبلغ في حينه عن هذا العمل الإجرامي وأيضاً مدرس الإعدادي الذي اتهم بعدم القيام بواجبه المتمثل في تربية هؤلاء وتعليمهم أصول الوفاء للقائد الأوحد.
وحكمت محكمة الشعب الموقرة بإعدام الجميع شنقا بدون استثناء ومصادرة أرزاقهم وحرق مزارعهم وأتلاف ما تبقى وتأمين المبالغ المصادرة في خزينة الدولة. ونقلت القناة التلفزيونية الرسمية كل جلسات المحكمة على الهواء مباشرة،تطبيقا لمبدأ الشفافية الذي يحرص القائد عليه في كل الأمور،
وعملا بتعليماته في اطلاع الشعب بدقة وإشراك الجماهير في اتخاذ القرارات، وشاهد الشعب عن كثب كيف تم طرد طاقم محامي الدفاع من القاعة، بل وكيف تم إلقاء القبض على ثلاثة منهم بتهمة التطاول على جناب المحكمة والطعن في شرعية هيئة المحكمة الموقرة.
ثم أن الكابوس تواصل فرأيت كيف أصدر القائد شيراق أوامره لتلبية رغبات الأمة في توفير تماثيله لنصبها في الساحات والمحلات التجارية والحدائق العامة والمنتزهات الشعبية والمقاهي والمدارس والجامعات وعلى مفترقات الشوارع والطرقات وفي دور الحضانة والروضات والحمامات البلدية والمسابح والملاعب الرياضية،
وتختلف التماثيل بعضها عن بعض لأن القائد يظهر فيها بفضل عبقرية الفنانين النحاتين أما ممتطيا جواده الأصيل وأما خطيبا في المحافل وأما عاملا في المصانع وأما مدشنا لمؤسسة صناعية وأما لا عبا لرياضته المفضلة. وهنا صحوت مذعورا مهموما لم أتبين بعد الخيط الأبيض من الخيط الأسود ما بين حدود الحلم المهلوس وبين الواقع المختلف، فكنت أشفق على حال هذه البلاد من هكذا مصير، وبدأت أفكر في النجاة بنفسي من هذا الجحيم،
ولكن اليقظة أدركتني فأنقذتني، وشعرت بفرح غامر وصادق وعميق لأن الرؤيا كانت كابوسا لا صلة له بالواقع. وحين التقيت جاري المسيو موريس لنتناول القهوة معا كما تعودنا منذ سنوات، قصصت عليه الكابوس بتفاصيله المملة، فراح يضحك بصورة طفولية وتلقائية ويتندر بكابوسي مع زبائن المقهى الذين أصابتهم عدوى الضحك، فانطلقت أضحك أنا بدوري وأنا أتحسس فنجان القهوة الساخنة بيدي لأتدفأ مع قدوم أول بوادر الصقيع الباريسي، وأزداد يقينا بأن الأمر كان مجرد حلم مزعج.