بين رغبة قوى المعارضة في تغيير شامل وأحداث تحول نوعي في مسيرة العمل الوطني، وتحفظ الحكومة وتمسكها بإصلاح الخطوة خطوة، جاءت اقتراحات الرئيس المصري حسني مبارك بتعديل 34 مادة في الدستور، التي شدد مبارك على كونها تفتح آفاقاً جديدة أمام التجربة الديمقراطية، والتي شهدت عام 2005 دفعة ملموسة بتغيير المادة 76 بما يتيح انتخاب رئيس الجمهورية من بين أكثر من مرشح لأول مرة في تاريخ مصر، بغض النظر عن الخلافات على ما تضمنته تلك المادة من شروط اعتبرتها المعارضة قيودا تلغي الهدف من وجودها.
التعديلات الجديدة المقترحة والتي تقدم بها مبارك إلى مجلسي الشعب والشورى، أثارت جدلا كان متوقعا، وينتظر اتساعه في الأيام المقبلة في الأوساط السياسية المصرية، كون ما هو مطروح يمس أموراً جوهرية في مسيرة العمل الوطني، لان تعديل مواد الدستور بما يتلاءم والتطورات السياسية التي مرت بها البلاد، لا يمكن فصلها عن أشواق التغيير الكامنة في نفوس المصريين، والتي شهدت في السنوات الأخيرة مظاهر عدة للتعبير عنها.
غير أن السؤال المطروح إلى اي مدى ستأتي التعديلات عند صياغتها ملبية لمطالب المعارضة والنخبة السياسية التي بح صوتها طوال فترة التسعينات من القرن الماضي في الدعوة إليها، قبل ان تكثف المطالب وتزداد الضغوط من الداخل والخارج، من اجل تحقيق ما يمكن ان يحرك المياه الراكدة في الشارع السياسي المصري؟
بعيداً عن السقف غير المحدود الذي ترفعه المعارضة لإصلاح سياسي جاد وحقيقي يليق بمصر، في ظل التحولات التي تشهدها المنطقة، والتحديات الجسام التي تواجهها، تبدو التعديلات المقترحة نافذة جديدة على حقل الديمقراطية المنشودة، غير أنها في الوقت ذاته اقل من الطموح في إصلاح سياسي يعيد إلى المجتمع حيوية مفقودة،وبما يدفع عجلة التغيير إلى الأمام بخطوات أوسع البلاد في أمس الحاجة إليها.
وعلى سبيل المثال لم تقترب التعديلات من المادة 77 التي تنهي حق الرئيس في البقاء في الحكم أكثر من فترتين رئاسيتين، وهي المادة التي لم تكن موجودة عند وضع الدستور في عام 1971، وإنما تمت إضافتها عام 1980 لتلاءم بقاء الرئيس الراحل أنور السادات في السلطة.
كما أن الحديث عن توسيع هامش الحرية أمام الأحزاب ودعم أنشطتها «باعتبارها عصب الحياة السياسية وعمادها وجوهرها»، سيكون كلاما مرسلا إذا لم يترجم في التعديلات المقترحة إلى إطلاق حق تكوين الأحزاب من دون الرجوع إلى لجنة شؤون الأحزاب التي يغلب على تكوينها رموز السلطة، ولم ينج من مقصلتها أي من الأحزاب الحالية التي خرج اغلبها إلى النور بأحكام قضائية.
والأهم أن تأتي التعديلات في مواد الدستور متسقة مع الرؤية المتفائلة التي عكسها الرئيس المصري في خطابه أمام نواب مجلسي الشعب والشورى والفعاليات السياسية. فقد علمتنا التجربة كيف يلتف دهاقنة القوانين على النوايا الحسنة فيتم إفراغها من مضمونها، وهو ما تتخوف قوى المعارضة التي تطالب ـ ومعها حق ـ بفتح نقاش واسع حول التعديلات وألا يكون ما اصطلح على تسميتهم «ترزية القوانين» قد انتهوا بالفعل من صياغة المواد المطلوب تعديها، وعلى الجميع السمع والطاعة.
نعم هناك رغبة في منح العملية الديمقراطية دفعة قوية، غير أن تلك الرغبة رهينة الترجمة الصادقة والأمينة عند الدخول في التفاصيل، وألا نشهد صورة مماثلة لما جرى عند تعديل المادة 76 التي أحدثت خلافا واسعا وجدلا عنيفا كونها أخذت باليد اليسرى ما أعطته باليمنى وقبل أن تتحول قضية تعديل مواد الدستور إلى عادة سنوية، يتم اللجوء إليها لاحتواء هذا الخلاف أو ذاك، فالدستور ليس قانونا قابلا للتعديل بين الحين والآخر بل قيمته في ثباته والاحتكام إلى مواده عند كل خلاف.