يبدو الشرق الأوسط الواسع أو الكبير الذي تصفه واشنطن بالجديد باعتبار أنه واعد بالديمقراطية وتصفه طهران بالإسلامي باعتبار أنه يمثل توحد المواجهة الحضارية الاستراتيجية من المنظور الإيراني لواشنطن، يبدو نهاية هذا العام وكأنه أصبح أرض البراكين المنتشرة والمتفجرة والمتنقلة. حروب أهلية، طالما حذر البعض مرارا من حدوثها ورفض البعض الآخر الاعتراف باحتمال حصولها دافنا رأسه في الرمل، حروب أهلية قائمة بالفعل وأخرى بالفكر منتشرة من كابول إلى دارفور.
حروب تهدد بتحويل دول طبيعية إلى «دول فاشلة» من جهة وتمنع أو تؤخر عمليات قيام الدولة الطبيعية في أماكن أخرى بعد نزاعات عاشتها هذه الدول من جهة أخرى. في شرق أوسط يعيش اختلالات بنيوية حادة وحالة من انعدام التوازن فيما يتعلق بتركيبة النظام الإقليمي وتفاعلات القوى الدولية والإقليمية بين بعضها البعض وغياب القواعد الحاكمة لهذا النظام
وذلك بسبب فراغ القوة الذي نتج عن الحرب على العراق والسقوط المريع للدولة العراقية، استقرت أخيرا في هذا الشرق الأوسط الجغرافيا المذهبية، جغرافيا الهويات الأصلية الثائرة أو العائدة، التي تهدد بقوة دولا هشة ومجتمعات مركبة ومتنوعة كان لهذا التنوع لو أحسنت إدارته أن يكون مصدر قوة
بدل أن يكون مصدر تهديد للدولة ولوحدتها الترابية ولاستقرارها المجتمعي، استقرت كإحدى أهم الديناميات السياسية في المنطقة وكمصدر للاصطفاف أيا كانت العناوين التي تحملها، وكمحرك لتفاعلات نزاعية وكمصدر لخطر ضاغط على تماسك دول قائمة، بعد 11 سبتمبر وبالأخص بعد الحرب على العراق.
يقظة الهويات الأصلية هذه جاءت نتاج اصطدام استراتيجيات كبرى تغييرية مع السوسيولوجيا العربية. السوسيولوجيا التي كشفت الفشل المتراكم في عملية بناء الدولة الوطنية في العالم العربي في حالات كثيرة وبدرجات مختلفة في الدول العربية وعلى حدودها الآسيوية والافريقية مع التذكير بأن أصحاب جلد الذات يحملون السوسيولوجيا مسؤولية الانهيارات العربية الحاصلة في حين يحمل أصحاب نظرية المؤامرة الدائمة المسؤولية للاستراتيجيات الكبرى، وكل من الطرفين يحمل جزءا من الحقيقة.
تتقدم الجغرافيا المذهبية والطائفية والاثنية في العالم العربي وتتقدم معها ايضا الجغرافيا الإقليمية والدولية ايا كانت مسميات هذه الأخيرة في ظل انكماش سريع وحاد للجغرافيا العربية التي يفترض أن يعبر عنها النظام الرسمي العربي. النظام الذي يشهد تفككا واندثارا وتهميشا متزايدا. النظام العربي الذي فقد لكل أجندة خاصة به، تحمل أولويات منبثقة عنه وتعبر عن مشروعياته. هذا النظام يشهد نزعا لعروبة قضاياه من حيث إدارة هذه القضايا والقدرة على التأثير فيها وفي تسويتها مقابل أقلمة وتدويل متزايد لها في الوقت ذاته.
يبدو العالم العربي اليوم وكأنه أرض مشاع ومسرح وساحة مواجهة لاستراتيجيات ومشاريع تتنافس وتتصارع عليه تجذبها أزمات قائمة، تتغذى عليها وتغذيها هذه الاستراتيجيات فيما توثق الرباط بين هذه الأزمات التي يتداخل فيها بشكل كبير الخارجي الاقليمي والدولي بالداخلي الوطني والمحلي. مشهد عربي تبرز على حدوده الآسيوية طلبنة متجددة أو عائدة في أفغانستان تهدد بإعادة هذا البلد كليا الى ماضيه المأساوي القريب وهو يعيش مأساة من نوع آخر،
كما تهدد بايجاد إشكالات بينه وبين باكستان وتهدد باكستان نفسها. طلبنة عائدة تقذف برياحها الراديكالية إلى الخليج خاصة، عبر البوابة العراقية، وصولا إلى البحر الأبيض المتوسط من جهة وإلى القرن الافريقي من جهة أخرى، وازدياد مخاطر صوملة العراق مع فارق في التداعيات على الجوار المباشر بين الصومال والعراق بسبب الفارق الشاسع في الحجم والموقع والتركيبة بين الحالتين،
ومخاوف متزايدة من عرقنة لبنان كما تدل الأزمة الراهنة وهواجس مشروعة من لبننة فلسطين حيث يحمل اخوة السلاح، السلاح ضد بعضهم البعض ولا يردعهم الاحتلال الإسرائيلي، ولا انسداد الأفق السياسي وسياسة التهميش الدولية المفروضة عليهم، وسودان يقف أمام احتمالات عديدة بين هذه المشاهد المأساوية،
وصومال عائد بقوة ليشكل ساحة الانفجار الكبير لحروب ذات عناوين مختلفة. صراعات في شرق أوسط يختلط فيها هشاشة المحلي أحيانا والتناقضات التي يفجرها والجاذبة بقوة للتدخل، بهجوم «الدولي» الباحث عن التمدد وملء الفراغ القائم أو الحاصل خدمة لمصالح جيو اقتصادية جديدة أم جيو سياسية متجددة.
في هذا الوضع الاستثنائي المليء بالمخاطر والمبشر بمزيد من الفوضى التي تحملها حالة مشتركة من الانسدادات السياسية أمام التسويات الشرعية الممكنة لأزمات المنطقة ومخاطر استمرار هذه الأزمات على ما هي عليه من تداعيات قد تتخطى المجال الوطني الداخلي لتطال المحيط الخارجي وفي مشهد تبتعد فيه لغة الدبلوماسية وتتراجع ويزداد منطق المواجهة حدة في محاولة تسوية الملفات المشتعلة أو في إدارتها، يبقى المطلوب ولو أن ذلك قد يشبه المعجزة وقفة عربية استثنائية قبل ان ينهار الهيكل على الجميع.
يبقى المطلوب العمل على انعقاد قمة عربية استثنائية دون جدول أعمال محدد، قمة مفتوحة تبحث في كيفية التحول من مجرد ملعب إلى لاعب ذي دور فاعل، يمتلك قدرات الحد الأدنى والشروط الممكنة والضرورية لتحديد مستقبله على أرضه وللمشاركة في صنع أجندة الأولويات في المنطقة وتحقيق الشروط المشروعة للتسويات المطلوبة، بغية إخماد البراكين المتفجرة.
قمة تحول العرب إلى لاعب يخرج الوضع العربي من سياسات رد الفعل المتأخر دائما أو الغياب المستمر عن قضاياه أو الاكتفاء بمحاولة الاحتماء من شظايا قائمة لن تحمي من حرائق قادمة. فهل تحمل بداية السنة المقبلة هذه الوقفة المطلوبة أم تستمر رحلة الانهيار العربي مع التذكير أن استمرار البراكين على اشتعالها قد تؤدي إلى حدوث الزلزال الكبير الذي يسقط العرب من الجغرافيا الحضارية والسياسية الدولية. هذا هو السؤال المقلق الذي ينتظر بداية الإجابة عنه في مطلع العام المقبل.
كاتب لبناني