نهاية حافلة بالمفارقات لعام كان بلا شك من أصعب الأعوام على العرب. ينتهي العام والولايات المتحدة الأميركية تقر بفشلها في العراق وتبحث عن طريقة للخروج «المشرف» من مأزقها هناك، وإسرائيل تداوي آثار فشل مماثل في لبنان وتحاول مواجهة حقيقة أن كل ترسانتها من الأسلحة التقليدية وغير التقليدية لم تعد قادرة على هزيمة بضعة آلاف من جنود المقاومة اللبنانية

ولم تستطع منع صواريخ حزب الله من ضرب العمق الإسرائيلي، ليتحول الجيش الإسرائيلي من قوة ردع كانت الولايات المتحدة نفسها تعتمد عليه في تنفيذ سياستها في المنطقة إلى قوة تحتاج لمن يحميها من صواريخ المقاومة. لكن المفارقة بعد ذلك أن الفشل الأميركي في العراق والفشل الإسرائيلي في لبنان يرافقه فشل عربي يثبت أن أزمتنا أكبر من هزيمة الأعداء،

وأن عجزنا يستمر ليس فقط لأننا ندفع غالياً في مقاومة مخططات العدو، ولكن أيضا لأننا لا نملك الرؤية ولا الإرادة التي نستطيع بها استثمار «النصر» وتحويله إلى منجزات حقيقية، ولأننا لا نكتفي في بعض الأحيان بتبديد ما يتحقق بثمن غال. بل يكاد الأمر ينتهي بأن نحقق بأيدينا ما عجز العدو عن تحقيقه بكل إمكانياته.

جرت حرب لبنان مع حلول الذكري الخمسين لحرب السويس، وربطت الجماهير ـ قبل القيادات ـ بين الحربين، وضعت صور عبد الناصر بجوار صور حسن نصر الله، لكن مع نهاية الحرب كان لابد للحقائق أن تفرض نفسها.. فمصر 56 غير حزب الله الآن، والظروف غير الظروف،

والنتائج لابد أن تختلف. في 56 استردت مصر قناة السويس وطردت احتلالاً بريطانياً جثم على أنفاسها لعشرات السنين، وبدأت حركة نهضة علمية وصناعية وثقافية واجتماعية، وارتفعت راية القومية العربية، وانتشرت حركة التحرر في كل الأرض العربية من المحيط إلى الخليج.

بعد خمسين عاما كان من الممكن أن تكون حرب لبنان نقطة انطلاق عربية، لو أن الدول العربية استطاعت أن تتفق على إستراتيجية موحدة للتعامل مع الموقف، ولو أن البعض تجاوز نقطة الخلاف التي برزت في الأيام الأولى للحرب حين تصورت بعض الأطراف العربية أن هزيمة ساحقة وسريعة ستلحق بالمقاومة واتخذت موقفها على هذا الأساس، وليتنا امتلكنا قيادة عربية احتضنت ما حدث باعتباره إنجازاً عربياً يجب الحفاظ عليه وتطويره في إطار إستراتيجية موحدة للتعامل مع التحديات التي تواجه الأمة في كل أقطارها.

للأسف الشديد لم يحدث شيء من ذلك، وانتهى الأمر بالمقاومة اللبنانية العظيمة وهي طرف في صراع داخلي، والأطراف العربية الرئيسية موزعة بين طرفي الصراع اللبناني الذي يريد البعض تحويله إلى حرب بين السنة والشيعة ثم إلى ورقة أساسية في ملف الخلاف (أو التوافق) الأميركي ـ الإيراني!

في العراق تبدو المأساة أفدح، والفشل الأميركي كان ثمنه حتى الآن أكثر من نصف مليون ضحية عراقية وبلداً مدمراً تماماً، وحربا طائفية نغمض عيوننا حتى نقنع أنفسنا أنها لا تجري على ارض العراق، وخوفا من أن تمتد آثارها خارج أرضه.العراق الذي تحول بفضل الرعاية الأميركية الكاملة إلى مزرعة للإرهاب الذي لم يكن يعرف طريقه إليه قبل الغزو الأميركي المشؤوم،

تم تقسيمه بالفعل وما يجري الآن هو حملات من التطهير العرقي حتى تتخلص المناطق الشيعية من السنة وبالعكس.. ولا مجال لإنقاذ ما تبقى من العراق إلا بمظلة عربية يجتمع تحتها الجميع من سنة وشيعة ومسيحيين وكلدانيين.. الخ. الموقف العربي ينبغي أن يكون انحيازاً للعراق العربي الذي يسع كل أبنائه، والانحياز العربي ينبغي إلا يكون للشيعة أو السنة بل للجميع.

فإخوتنا الشيعة في العراق هم ـ كما السنة ـ سواء، ولاؤهم هو للعراق وطناً، وللنجف مرجعية. والغياب العربي هو الذي أعطى الإمكانية للقوى الإقليمية الأخرى لان تتطلع إلى مد نفوذها على الأرض العربية. نعم تركيا دولة مسلمة وصديقة ومن حقها أن تكون قوة إقليمية في المنطقة، وهكذا إيران، لكننا لابد أن نكون ـ كقوة عربية ـ الطرف الأساسي في تقرير مصيرنا.

نتعاون مع القوتين الإسلاميتين في المنطقة ونحل المشاكل المعلقة معهما بالحوار، ولكن بإصرار على أن يبقي القرار في مستقبلنا قراراً عربياً.هذا هو المطلوب، وهو لن يتم إلا بامتلاك الرؤية الإستراتيجية العربية للتعامل مع قضايا المنطقة وضمان الأمن العربي، وإلا بإحياء تحالف أكتوبر الذي استطاع قيادة المعركة وتحقيق النصر العربي فيها،

وإعادة التفاهم بين القاهرة والرياض ودمشق وتجاوز الخلافات التي يسعي البعض لتعميقها، وإدراك أن غياب مثل هذا التحالف لا تعوضه المحاولات العبثية من بعض الصغار للعب ادوار لا يملكون أوراقها. وفي ظل هذه الغياب، يبدو طبيعياً أن تحاول الإدارة الأميركية تحويل الفشل في العراق إلى انتصار، وأن تحاول إسرائيل عبور نتائج حرب لبنان وتبديد أي «إيجابيات» قد تكون في متناولنا، وأن تحاول كل الأطراف الدولية والإقليمية أن تحقق مصالحها.

وقد يندهش البعض عندما تعود وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزارايس بعد كل ما حدث لتبشر مرة أخرى بالشرق الأوسط الجديد.. مؤكدة أن الحرب في العراق تستحق التضحيات بالأرواح والأموال الأميركية (من أجل إسرائيل طبعاً)، ومؤكدة أن نجاح الإستراتيجية الأميركية في العراق سيغير الشرق الأوسط بأكمله!!

طبعاً «نجاح» الإستراتيجية الأميركية في العراق (كما يعلنونها!!) أصبح مستبعداً، والرئيس الأميركي بوش الذي صدع رؤوس العالم بمهمته (الإلهية !!) في إقامة الديمقراطية في العراق أصبح كل همه ألا يحاكم على ما فعل. ولكن إذا كانت رايس تقصد «الإستراتيجية الحقيقية» لمجرمي الحرب من الصهاينة الأميركيين الذين ساقوا الإدارة الأميركية إلى مأساتها في العراق فهي محقه..

فهذه «الإستراتيجية» التي كانت تستهدف في الأساس مصلحة إسرائيل ستترك العراق مدمراً مقسماً غارقاً في دماء نصف مليون راحوا ضحية الحرب حتى الآن وربما أكثر منهم سيكونون ضحايا الحرب الطائفية التي زرعتها أميركا، والإرهاب الحقير الذي جاء مع الغزو الأميركي، ونجاح هذه الإستراتيجية سيغير الشرق الأوسط بأكمله (كما تؤكد رايس) ولكن إلى الأسوأ الذي تبدو علاماته واضحة من فلسطين إلى لبنان إلى السودان وأخيرا وليس آخر إلى الصومال، والقادم أخطر إذا استمرت الغيبوبة العربية على حالها.

والأخطر هنا أن المخطط الأساسي الأميركي ماض في طريقه. وتقرير بيكر ـ هاملتون الذي أثيرت حوله الضجة وبنيت عليه الآمال يبدو الآن وكان إدارة الرئيس بوش تريد وضعه على الرف، وسواء تم ذلك أم لم يتم، فالتقرير في أساسه لا يستهدف إلا المصلحة الأميركية ولا يقصد من قريب أو بعيد تحقيق المصلحة العربية خاصة إذا كان أصحاب هذه المصلحة بعيدين عن التأثير فيما يجري في المنطقة.

ومع ذلك فإن إهمال الإدارة الأميركية للتقرير يعني الإصرار على أن قرار الحرب ضد العراق كان صائباً، وقرار تشجيع إسرائيل لغزو لبنان كان أيضا صائباً، ولكن الخطأ جاء في التنفيذ، والعلاج ـ وفقا لهذه الرؤية ـ هو في تغيير الأساليب لتنفيذ الهدف الاستراتيجي الذي يريد شرق أوسط جديدا بالمقاييس الصهيونية الأميركية ـ الإسرائيلية مهما كانت التضحيات، لان هذا هو الذي يحقق المصلحة الأميركية على المدى الطويل.

علينا بالطبع أن ننتظر مع بداية العام الجديد إعلان الرئيس الأميركي لإستراتيجيته الجديدة تجاه العراق، وأيا كانت هذه الإستراتيجية فعلينا أن ننتظر عامين صعبين حتى نهاية ولاية بوش.. يتصرف فيهما كمن يريد أن يثبت انه كان ينفذ مشيئة الله بتدمير العراق، ويصعد من جنونه بنشر الدمار في باقي المنطقة انتقاماً لهزيمة لا يريد الاعتراف بها،

وبحثاً عن نصر مستحيل ينقذ حزبه في انتخابات الرئاسة القادمة وينقذه من وضع أصبح فيه الرئيس الأسوأ في تاريخ أميركا والذي سيدخل تاريخ العالم كمجرم حرب حقيقي لم ينل جزاءه لأنه فقط رئيس الدولة الأعظم لسوء حظها وحظ العالم كله.ونطوي صفحة عام صعب لنستقبل أعواماً أصعب إذا لم ندرك أن أزمتنا الحقيقية فينا ومنا، وأنها قادرة على أن تغطي فشل أعدائنا ،و قادرة على تبديد انتصاراتنا أو مشاريع الانتصار التي نجهضها بغياب طال حتى تحول إلى غيبوبة!.

نقيب الصحافيين المصريين