القدر الكبير من الأمل الذي بُني على تقرير لجنة بيكر ـ هاميلتون كان ينبع من الثقة الشعبية في استقلالية الطرفين اللذين توليا الإشراف على التقرير، وهما لي هاميلتون وجيمس بيكر وسمعتهما كشخصين يقودان سياسة أميركية خارجية متعددة الأطراف.

عدد كبير من الأميركيين تمنى أن تقدم اللجنة لإدارة بوش توصيات تتعلق بوضع إستراتيجية أميركية جديدة في العراق تقسم الأعباء وقوة اتخاذ القرار بين الولايات المتحدة وحلفائها وتعكس حرصا كبيرا على مصالحها. ومن ثم فإنه من دواعي الإحباط ألا يقدم التقرير النهائي الذي توصلت إليه اللجنة إلا فكرة انسحاب أحادي من قبل أميركا من حرب قامت واشنطن بشنها من طرف واحد.

عندما يلزم الرئيس الأميركي القوات الأميركية بإقامة ممتدة في قلب الخطر، فإن خطته يجب أن تحظى بدعم كبير من الداخل. وتتزايد فرص نجاح هذه الإستراتيجية عندما تحظى بدعم حلفاء قادرين على مساعدتها على النجاح. إن معالجة حقيقية متعددة الأطراف للوضع تتطلب أن يقوم أصدقاء أميركا وشركاؤها بممارسة نفوذ حقيقي في دوائر اتخاذ القرار،

وهو أمر لا تريد الولايات المتحدة ـ بحكم فلسفتها في التعامل مع الآخر ـ فعله. غير أن قوة الدفع التي تحتاجها عملية إعادة بناء العراق تعتبر دائما مهمة ثقيلة على أي دولة بمفردها، حتى إذا كانت هذه الدولة يُعتقد أنها تنفق على ميزانيتها العسكرية ما يعادل إنفاق الدول الأخرى مجتمعة.

فالولايات المتحدة احتاجت لقدر قليل من المساعدة في إسقاط صدام، ولكنها بالتأكيد تحتاج إلى المساعدة في إعادة بناء العراق.وهي الآن بحاجة إلى المساعدة حتى تنسحب من بلد يكون في حالة تسمح بوجود أمل في إعادة تأهيله وإعادة الاستقرار إليه. الجمهوريون الخمسة والديمقراطيون الخمسة الذين تتألف منهم لجنة بيكر-هاميلتون قدموا لبوش معالجة للمشكلة من وجهة نظر الحزبين الجمهوري والديمقراطي،

ولكنهم بشكل واضح فشلوا في وضع أيديهم على الحل الأفضل للعراقيين أنفسهم. بعد 15 شهرا إضافية من التدريب، سيُطلب من القوات الوليدة للشرطة والجيش العراقي انجاز ما لم تستطع القوات العسكرية الأميركية إنجازه خلال ثلاثة أعوام، وهي مهمة تهدئة الأوضاع في البلاد. وأوصت اللجنة أنه حتى في حال فشل القوات العراقية في أداء المطلوب منها، فإن الولايات المتحدة يتعين عليها سحب القوام الرئيسي لقواتها من النقاط الواقعة على خط المواجهة.

حقيقة الأمر تشير إلى أن العمل الأساسي للجنة لم يكن ينصب على إنقاذ العراق بقدر ما كان منصبا على سحب القوات الأميركية من الرمال المتحركة التي تغوص فيها هناك. كما أن توصيات اللجنة لا تأخذ في الاعتبار مصالح جيران العراق. هناك نتيجة واقعة تم التعبير عنها مرارا

وتكرارا خلال المنتدى الاستراتيجي العربي الذي عُقد أخيرا في دبي تفيد أن «الولايات المتحدة حطمت العراق والولايات المتحدة هي التي ينبغي أن تصلح العراق». غير أن تقرير بيكر ـ هاميلتون يقول إن واشنطن يجب عليها أن تكون مستعدة كي تقلص من خسائرها. هذه النتيجة سوف تترك جيران العراق من السُنة أمام إمكانية اندلاع عنف طائفي داخل الدولة العراقية وأمام ضرورة التعامل مع التوترات الإقليمية في ظل القوة الجديدة لإيران.

أحد الأسباب المهمة وراء فشل جهود بناء الدولة بهذا الشكل السيئ في العراق هو أن واشنطن لم تسمح لحلفائها وبالتحديد بريطانيا بالاضطلاع بدور قيادي في العملية. وكذلك من الواضح أن البريطانيين لم يقوموا بأي دور أساسي في إخراج التوصيات بالشكل الذي جاءت عليه. فعلى الرغم من الإسهام الكبير والتضحيات الكثيرة التي قدمها الجنود البريطانيون في الحرب في العراق

وفي المساعدة على استعادة الأمن والاستقرار في بعض المناطق، ناهيك عن النفوذ السياسي الذي استثمره رئيس الوزراء البريطاني توني بلير من أجل الحرب وتسبب في إفقاده الكثير - على الرغم من كل ذلك فإن التقرير قلل من أهمية البريطانيين واعتبرهم شريكا ثانويا في عملية بناء الدولة هناك.

كما أن توصيات اللجنة أحدثت قدرا كبيرا من القلق داخل إسرائيل. فتوصيات اللجنة التي تفيد بأن الدبلوماسيين الأميركيين عليهم التشاور مع نظرائهم في سوريا وإيران دفعت وسائل الإعلام الإسرائيلية إلى التساؤل ما إذا كانت واشنطن تعتزم توفير الأمن العراقي على حساب إسرائيل. ولم يطمئن الإسرائيليين سوى رفض الرئيس بوش لعقد اجتماعات صريحة بين المسؤولين الأميركيين وأعدائهم التقليديين في المنطقة.

الأميركيون العشرة المتميزون الذين تألفت منهم اللجنة بالفعل عرّضوا حياتهم للخطر كي يأتوا بهذا التقرير. فوفقا لصحيفة «نيويورك تايمز», فإنهم ارتدوا أثناء زيارتهم المريعة لبغداد معاطف مضادة لنيران المدفعية، واستقلوا سيارات هامفي ولجأوا إلى مناورات رهيبة كي يتجنبوا نيران المسلحين العراقيين عندما اقتربت طائرتهم من مطار بغداد.

غير أنه من دواعي الإحباط أن نجد أن أعضاء المجموعة لم يقضوا سوى وقتا قصيرا في العراق مرّ معظمه داخل المنطقة الخضراء المحصنة بشكل بالغ للغاية لحماية مسؤولي قوات التحالف. فالأسوار الخراسانية للمنطقة الخضراء لم تكن لتسمح لأعضاء اللجنة بالتعرف على أوضاع المناطق العراقية الأخرى.

وقد تكون المهمة الأكثر صعوبة التي واجهت اللجنة هي العمل بقدر الإمكان على ضمان ألا تذهب تضحيات أفراد الجيش الأميركي الذين قضوا في العراق سُدى. غير أن السبيل الحقيقي لتحقيق هذا الهدف كان ينبغي أن يتمثل في إصدار مجموعة من التوصيات من شأنها تحسين الأوضاع في العراق وتحويل الشرق الأوسط إلى مكان أكثر أمانا. أفضل السبل لتحقيق هذا الأمر كان يتمثل في دعوة حلفاء أميركا كي يكون لهم دور وصوت فيما سيحدث لاحقا على الساحة العراقية.

خدمة «لوس أنجلوس تايمز»

خاص لـ «البيان»