تركمانستان هذا البلد الصغير الذي يقع في وسط آسيا، لا تزيد مساحته على نصف مليون كيلومتر مربع، ويبلغ تعداد سكانه التركمان حوالي 4 ملايين نسمة، بالإضافة إلى مليوني نسمة من قوميات أخرى، وتحاول حكومته الابتعاد عن الصراعات السياسة الدولية الكبرى، آثار عاصفة من التساؤلات والإرباكات بعد وفاة رئيسه صابر مراد نيازوف، بسبب الدور المهم الذي تلعبه تركمانستان في إمداد عدد من دول الفراغ السوفييتي السابق وأوروبا الغربية عبر روسيا باحتياجاتها من الغاز.

وتعتبر تركمانستان من أهم منتجي الغاز في دول الفراغ السوفييتي، حيث يقدر حجم احتياطي الغاز الطبيعي فيها بحوالي 5,22 تريليون متر مكعب، ويصل إنتاجها السنوي من الغاز إلى 60 مليار متر مكعب، ومن المتوقع أن يصل خلال عام 2010 حوالي 120 مليار متر مكعب سنويا، سيتم تصدير 100 مليار متر مكعب منها.

وتحقق تركمانستان أرباحا هائلة من تصدير منتجاتها من الغاز الطبيعي، تصل لبضعة مليارات من الدولارات، ومن الممكن أن تتضاعف أرباحها إذا ما توفرت لديها شبكات أخرى لنقل الغاز، حيث تضطر لتصدير الغاز إلى بلدين فقط هما روسيا وإيران بسبب عدم توفر هذه الشبكة. وكانت تركمانستان قد توصلت إلى اتفاق طويل الأجل مع موسكو مدته 25 عاما في أبريل 2003،

تم بموجبه توريد الغاز التركماني إلى شركة (غاز بروم) الروسية بسعر 65$ لكل ألف متر مكعب خلال الأعوام الماضية.ووفق اتفاقية التعاون المذكورة تمت زيادة توريدات الغاز التركماني إلى روسيا بدءا بـ 5-6 مليارات متر مكعب في عامي 2004 - 2005، لتصل إلى 40 مليار متر مكعب خلال عام 2006، واعتبارا من عام 2007 ستتم زيادة واردات روسيا من الغاز التركماني إلى 70-80 مليار سنويا حتى عام 2028 بعد ان زاد سعر الألف متر مكعب ليصبح 100 دولار،

ويتم تصدير الغاز التركماني إلى روسيا عبر شبكة أنابيب «آسيا الوسطى ـ وسط روسيا» لنقل الغاز، والتي تمر أيضا عبر أراضي أوزبكستان وكازاخستان. كما تتضمن الاتفاقية إنشاء خطوط أنابيب جديدة لنقل الغاز التركماني إلى أسواق روسيا وأوكرانيا وغيرهما من البلدان، إضافة إلى إعداد المشاريع المشتركة (الثنائية) لتوريد الغاز التركماني إلى المستهلكين في أوروبا.

وقد نصت الاتفاقية أيضا على الاستثمار المشترك لمكامن النفط والغاز في أراضي تركمانستان، واشتراك «غازبروم» في أعمال التنقيب والاستثمار في الشطر التركماني من الجرف القاري لبحر قزوين والضفة اليمنى من نهر جيحون حيث تم مؤخرا اكتشاف مكامن كبيرة من موارد الطاقة، ويشكل الغاز التركمانى أكثر من 7% من مبيعات شركة «غاز بروم» إلى أوروبا. كما تصدر تركمانستان سنويا إلى إيران 8 مليارات متر مكعب من الغاز، وفق اتفاقية تعاون ثنائية يستمر مفعولها حتى عام 2018 بأسعار تصل إلى 50 دولارا للألف متر مكعب.

وفي ظل نظام الحكم الشمولي السائد في تركمانستان سيطر الزعيم الراحل بشكل كامل على قطاع الغاز وعائداته، وحاول التخلص من التبعية لروسيا، وهو ما دفعه لإعداد مشروعات تشييد أنابيب نقل الغاز، كان أهمها الربط بخط أنابيب الغاز «نابوكو»-أذربيجان-أرمينيا-تركيا- بلغاريا (مع فرعين يمتدان إلى صربيا والجبل الأسود)- رومانيا - المجر - النمسا، الذي ينفذ تحت إشراف الاتحاد الأوروبي. إضافة لمشروع خط أنابيب الغاز إلى جنوب شرق آسيا (الصين)

عبر الأراضي الأوزبكية والطاجيكية، ومشروع خط أنابيب إلى باكستان عبر أراضي أفغانستان، والذي سيتم تنفيذه بتمويل أميركي. واستغل نيازوف هذه المشروعات لزيادة أسعار الغاز التركماني الذي تستورده روسيا في خريف العام الحالي، واجبر موسكو على تعديل الاتفاق الموقع مع «غاز بروم»، حيث يتم توريد 50 مليار متر مكعب بسعر 100دولار للألف متر المكعب، وذلك حتى عام 2009.

وقد أخطأ المفوض الأوروبي لشؤون الطاقة عندما اعتبر أن المستهلك الأوروبي لن يتأثر بوفاة نيازوف، باعتبار أن الاتحاد الأوروبي لا يستورد الغاز من تركمانستان مباشرة وإنما يستورده من روسيا التي تحصل على الغاز الذي تبيعه تركمانستان، لأن الاتحاد الأوروبي لابد أن يشعر بالقلق إزاء الوضع الناشئ عقب وفاة نيازوف،

بعد أن أصبحت محاولته لفك احتكار روسيا على مسار نقل الغاز من آسيا الوسطى مهددة، لأنه من المنطقي أن يتم تجميد ما اتفق عليه مبعوث الاتحاد الأوروبي بيير موريل مع الرئيس التركماني الراحل في منتصف ديسمبر المنصرم حول «إمكانيات نقل الغاز الطبيعي التركماني إلى السوق الأوروبية».

ويعتبر العديد من المحللين أن مصير التعاون الروسى-التركماني في قطاع الغاز سيكون مرتبطا بشخصية من سيخلف الرئيس، إلا أن هذا التعاون لم يكن في أفضل حالاته خلال فترة حكم نيازوف الذي كان يلجأ للمفاجآت في زيادة أسعار الغاز وفرضها كأمر واقع (إما زيادة السعر أو إيقاف التوريد).

ويعتقد ألكسي مالاشينكو عضو المجلس العلمي في مركز موسكو لمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، إنه لا يوجد في تركمانستان اليوم شخصيات تستند إليها موسكو، وشكك في إمكانية ظهور شخصية قيادية تلتف حولها جميع المجموعات والطوائف التركمانية، ولم يستبعد ظهور متشددين إسلاميين إذا طالت الفترة الانتقالية التي تعقب رحيل الرئيس نيازوف.

فيما يرى دميتري اوريشكين الباحث في معهد الأبحاث الجغرافية أن عدة مجموعات تركمانية ستخوض الصراع على السلطة مشيرا إلى أن هذه المجموعات ستكون على اتصال بموسكو. ولا يستبعد رئيس تحرير صحيفة «الشرارة التركمانية» فرحات إلياسوف أن يكون رئيس الأمن الرئاسي التركماني ووزير الدفاع التركماني قد استعدا لوفاة نيازوف بدليل أنهما سارعا إلى عقد اجتماع لمجلس الأمن القومي وتنحية رئيس البرلمان التركماني اتايف

وتعيين «بردي محمدوف» نائب رئيس الوزراء رئيسا للجمهورية بالوكالة والذي سيصبح دمية يحركها المسؤولون الأمنيون، ويعتقد الصحفي التركماني أن القيادة الجديدة ستحاول الحصول على دعم موسكو السياسي.وما يؤكد أن موسكو قد بدأت تتحرك بسرعة هو استعداد شخصية تركمانية معروفة مقيمة في موسكو وهو كاملجان كالانداروف عضو المجلس الاجتماعي لروسيا (الهيئة التشريعية الثالثة التي شكلها بوتين في روسيا، وهي هيئة الاستشارية) للعودة إلى الوطن حتى يتولى منصبا سياسيا هاما.

وسيكون من الصعب على ابن نيازوف أن يتولى رئاسة البلاد لأن الدستور التركماني يمنع تسليم مقاليد الرئاسة لشخص ولد خارج تركمانستان، وقد ولد مراد نيازوف الابن في مدينة لينينغراد الروسية، ويقيم حاليا في فيينا، ويدير شركة مسجلة في قبرص يتم عبرها دفع فواتير الغاز الذي تشتريه أوكرانيا في تركمانستان. ومع ذلك لا يستبعد المحللون تعديل الدستور إذا لم تتوصل مراكز القوى في السلطة إلى تسوية يتولى بموجبها الرئاسة مرشح منها.

ومما لاشك فيه أن الصراع على السلطة لن يتم بمعزل عن خريطة الصراعات الدولية بين إيران والولايات المتحدة، حيث ستسعى طهران على أن يسيطر مرشحها على مقاليد الحكم، كخطوة أولى على طريق ضم تركمانستان إلى إيران، بينما سيحرص الأميركيون على أن يكون الرئيس القادم من أنصارهم، لتصبح تركمانستان نقطة ارتكاز استراتيجية عسكرية للولايات المتحدة في آسيا الوسطى، بعد ترحيل قواعدها من اوزبكستان، واحتمال مغادرتها لقرغيزيا.

وفي هذا الصراع ستواجه موسكو خصمين شرسين، انتصار أحدهما سيهدد المصالح السياسية والاقتصادية الروسية، وقد يفشل خططها في تشييد شبكة أنابيب نقل الغاز الضخمة تمكنها من السيطرة على منابع الطاقة في وسط آسيا، وتحررها من محاولات المستهلكين للتأثير في مصالحها.

كاتبة روسية