يتحدثون في الغرب عن بعض التحريفيين الذين ينكرون مجزرة اليهود على يد النازية ويستنكرون ذلك بقوة ومعهم الحق. ولكن لا أحد يتحدث عن التحريفيين اليهود أو غير اليهود الذين ينكرون اغتصاب فلسطين شبراً، شبراً، وتشريد شعبها منذ عام 1948 وحتى اليوم. والآن عندما تقرأ الجرائد الأوروبية تجد أحياناً في الباب المخصص للشرق الأوسط العنوان التالي: الأراضي. فتتساءل: أراضي من؟ ثم تفهم من خلال قراءة المقال أنهم يتحدثون عن الضفة الغربية وغزة!
ولكن لماذا لم يقولوا: الأراضي الفلسطينية المحتلة؟ لأنهم لا يعتبرونها فلسطينية بكل بساطة.. ولا محتلة... أليس هذا تحريفاً؟ أليس هذا إنكاراً للحقيقة والتاريخ؟ فلماذا لا يسن البرلمان الفرنسي قانوناً يمنع إنكار الحقيقة الفلسطينية مثلما سن قانوناً يعاقب كل من تسول له نفسه إنكار المحرقة اليهودية؟
بل ووصلت الوقاحة برئيس فرنسي سابق (هو فرانسوا ميتران) إلى حد وصف الضفة والقطاع بأنها أراض متنازع عليها!... بمعنى أنها ليست للفلسطينيين ولا للإسرائيليين وإنما للطرفين، وهكذا راح يمارس نوعاً من التمييع والتزوير للحقيقة الموضوعية والتاريخية الواضحة وضوح الشمس. وأما الفيلسوف برنار هنري ليفي الذي لا أقلل من ألمعيته وذكائه بل واستنارته فيما يخص محاربة الأصولية الظلامية فإنه يضع عبارة الأراضي المحتلة بين قوسين! لماذا بين قوسين أيها الفيلسوف الشهير؟
أليست للفلسطينيين أباً عن جد منذ مئات السنين؟ وهل هناك من عاقل يشك في انتمائها لهم؟ عيب، وألف عيب!... هذا شيء لا يليق بفلاسفة. في الواقع إنه يضع كلمة «المحتلة» فقط بين قوسين لكي يوهم ضمناً بأنها ليست محتلة وإنما للإسرائيليين الحق فيها مثل الفلسطينيين وربما أكثر. ثم يتساءل برنار هنري ليفي بعدئذ: لماذا يكره العرب اليهود؟ يتساءل بنوع من القلق والخوف. لكنه ينسى السبب أو يحاول طمسه.
كيف يمكن أن يحصل السلام في مثل هذا الجو؟ كيف يمكن أن تصفو القلوب إذا كان كبار القادة السياسيين والثقافيين يشوهون الحقائق التاريخية الأكثر رسوخاً إلى مثل هذا الحد. رحم الله الجنرال ديغول الذي كان يعترف بالحقيقة والعدالة والذي قال لبن غوريون مرة أولى عام 1960 ومرة أخرى عام 1961: حاولوا أن تتصالحوا مع العرب يا بن غوريون ولا تتوسعوا في أراضيهم أكثر مما توسعتم.
لقد نجحتم في الضربة الأولى وأسستم دولتكم بقدرة قادر وما كانت الأمور مضمونة العواقب سلفاً. فاعتبروا أنفسكم سعداء بل وأكثر من سعداء. فيكفيكم اذن ما حصلتم عليه والذي تجاوز كل التوقعات والأمنيات. ولكن إذا ما فكرتم في بلع ما تبقى وحرمان الفلسطينيين من كل أرضهم التاريخية فإن الشرق الأوسط سوف يمتلئ بالزلازل والبراكين. ولن تعيشوا مطمئنين مدى الحياة.
هذا ما قاله الجنرال ديغول قبل أربعين سنة أو أكثر وقد صدقت الأيام نبوءته. ولا عجب في ذلك فهو القائد التاريخي الذي لا يشق له غبار. فالشرق الأوسط يقف على كف عفريت الآن ويمكن أن ينفجر في أي لحظة. بل إنه منفجر في عدة مواضع، ولكن الانفجار قد يتوسع أكثر فأكثر لكي يشمل المنطقة بأسرها. وكل ذلك بسبب السياسة التوسعية الإسرائيلية التي لا تعرف كيف تتوقف عند حد. كل ذلك بسبب المحافظين الجدد واليمين الإسرائيلي المتطرف.
يقول جان دانييل رئيس تحرير مجلة النوفيل أوبسيرفاتور وأحد حكماء اليهود هنا ما معناه: إن أفضل طريقة لمواجهة التطرف الإيراني هي تحقيق السلام الفلسطيني ـ الإسرائيلي. فعن طريق هذا الكلام ننزع ورقة كبيرة من يد محمود أحمدي نجاد ومعلوم أنه يستخدمها ببراعة: اقصد ورقة فلسطين المقدسة. وهذا صحيح. فحركات التطرف ناتجة في معظمها عن الوضع الشاذ في منطقة الشرق الأوسط وعن الطمع الإسرائيلي بالأراضي العربية، وهو طمع لا يشبع على ما يبدو.
ويا ليت أن السيد جان دانييل وهو على الخارطة السياسية الفرنسية واليهودية يتدخل لدى الإسرائيليين ويقنعهم بأن السلام من مصلحتهم وأنهم حتى لو انتصروا على العرب ألف مرة، فإن المرة الواحدة بعد الألف لن تكون لصالحهم. يكفيهم ان يهزموا مرة واحدة لكي ينتهي أمرهم. وقد كادوا يهزمون في الصيف الماضي على يد حزب الله وحده فما بالك بالعرب ككل؟
ينبغي أن يعلم مثقفو الغرب أنه إذا كانت محرقة اليهود تحتل الضمير الأوروبي ـ الأميركي من أقصاه إلى أقصاه وترتفع إلى مرتبة القداسة بالنسبة لهم، فإن مأساة فلسطين تحتل نفس المكانة بالنسبة للوعي الجماعي العربي الإسلامي. فهي مقدسة أيضاً بالنسبة لنا نحن العرب والمسلمين. ولا نفهم لماذا لا يفهم الغربيون ذلك!..
والشيء الذي لا نفهمه أكثر هو التالي: لماذا يدفع شعب فلسطين منذ خمسين سنة فاتورة جريمة كبرى ارتكبها شعب آخر على مسافة آلاف الكيلومترات منه؟! إنها جريمة لا علاقة له بها لا من قريب ولا من بعيد. بل ولم يسمع بها إلا بعد سنوات طويلة. ومع ذلك فقد دفعوه ثمنها عداً ونقداً عن طريق اغتصاب أرضه وتأسيس دولة أجنبية عليها. فهل هذا معقول؟ هل يدخل ذلك في دائرة المنطق والأخلاق والقيم الكونية؟ ام انه حكم قاراقوش، أي حكم التعسف والاعتباط الكامل؟
هذا هو السؤال الذي نتمنى أن يجيبنا عليه كبار فلاسفة الغرب من يهود أو غير يهود. ونحن ندعو الى مؤتمر عالمي حول الموضوع. فهل يستجيبون؟ اشك في ذلك، فهم مغلوبون سلفا. إني أعرف أن بعضهم لا يكابر ولا يمارئ في الحقيقة. وهذا شرف له. ولكن الأكثرية لا تزال مصرة على الضلال واتباع الأكاذيب الصهيونية والأساطير الواهية التي أشاعتها من أجل تبرير قيام دولة إسرائيل العتيدة. وهي أساطير ابتدأت تتساقط حتى على يد المؤرخين الجدد في إسرائيل ذاتها.
يقول المؤرخ الفلسطيني إلياس صنبر في آخر تصريحاته إن ياسر عرفات رفض ترجمة كتاب زعيم التحريفيين الفرنسيين روبير فوريسون الذي ينكر حصول محرقة اليهود عندما عرضوه عليه في بيروت. وقال بما معناه: نحن شعب منكوب ونعرف معنى العذاب، ولا يمكن بالتالي أن ننكر آلام الآخرين ولو لم تكن لنا علاقة بها. بل وحتى لو كانت آلامنا ناتجة عنهم مباشرة!..
وهذا موقف رائع لا يكاد يصدق. إنه يعني التعالي على الذات والجراح، وبالتالي فليكفّ قادة الغرب عن ملاحقتنا بشأن المحرقة اليهودية. فنحن لا علاقة لنا بها، ولا يمكن أن نكون مسؤولين عن شيء لا علاقة لنا به. نحن الذين ينبغي أن نلاحقهم لأنهم ارتكبوا الجريمة مرتين: مرة ضد اليهود، ومرة ضد الفلسطينيين بمساعدة بعض اليهود، أي الحركة الصهيونية الاستعمارية الاستيطانية.
ولكن بعد أن حصل ما حصل وبعد أن أصبحت دولة اليهود أمراً واقعاً في فلسطين فإننا لا ندعو إلى تدميرها وإنما نقول لهم: تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم: خذوا وأعطوا. تخلوا عن الأراضي التي احتلت بعد الخامس من يونيو 1967 ونحن مستعدون للاعتراف بكم وإنهاء القصة من أساسها وطيّ صفحة الماضي تماماً وبدء صفحة جديدة.
وهذا ما فعله العرب ، كل العرب، في قمة بيروت الشهيرة. فهل هذا صعب عليكم يا ترى؟ وهل كثير علينا أن نأخذ بعض حقنا لا كله؟ لقد حذركم الجنرال ديغول قائلاً: إن دولة الفرنجة الصليبية دامت ثمانين سنة أو أكثر في القدس ثم زالت. وبالتالي فإن دولة إسرائيل قد تزول هي الأخرى أيضاً إذا ما استمرت على سياسة البغي والعدوان. فما قام على الباطل بالباطل يزول.
بل وقد لا تستمر ثمانين سنة كما حصل لدولة الصليبيين في العصور الوسطى.وأخيراً سوف أقول لأبناء عمنا اليهود في نهاية العام: لقد تعايشنا مع بعضنا البعض على مدار التاريخ. بل وكنتم جزءاً لا يتجزأ من الحضارة المشتركة التي شكلناها في الأندلس الزاهرة. وعلماؤكم وفلاسفتكم اختلطوا بعلمائنا وفلاسفتنا.
ونتج عن ذلك الخير الكثير. كل نهضة أوروبا الرائعة في القرن السادس عشر نتجت عنه. فلماذا لا نتعايش اليوم ونشكل أندلس جديدة في فلسطين؟ ولكن بشرط ألا تأخذوها كلها! خذوا وأعطوا ايها اليهود ولا تغتروا بقوتكم الحالية وانتصاراتكم فالدهر غدار: من سره زمن ساءته أزمان.
كاتب سوري ـ باريس