مع إطلالة يناير2007، تشرق شمس الذكرى الثانية والأربعين للانطلاقة المعاصرة لحركة فتح وللثورة الفلسطينية المسلحة، وبالروافد التي تعاظمت خلال سنوات أواخر الستينات من القرن العشرين، وقدمت إسهامات كبيرة، أحدثت تحولات نوعية في الفكر السياسي والبرنامجي الفلسطيني،
وساهمت بنقل الشعب الفلسطيني من موقع المراوحة في المكان وتحت يافطة الشعارات العامة إلى مواقع الصياغة السياسية البرنامجية والفعل والتأثير داخل المجتمع الدولي، فتم لأول مرة منذ النكبة بلورة الأهداف الوطنية المرحلية في سياق إستراتيجية متكاملة، وانضمت فلسطين إلى أسرة الأمم المتحدة عام 1974 كتحول بارز في تاريخ الصراع في الشرق الأوسط.
فالنتائج المأساوية لنكبة 1948، وانفراط وحدة الشعب الفلسطيني بعد أن فشلت تجربة حكومة عموم فلسطين التي أقامها مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني في قطاع غزة، وفشل الفلسطينيين في بناء كيان وطني على ما تبقى من الأرض الفلسطينية بعد عام النكبة، وتبدد آخر مرجعية وطنية لهم، كل هذه الإيقاعات جعلت من الحالة الفلسطينية تندفع في التفتيش عن الحلول والخلاص تحت لافتة الشعارات.
وفي هذه الفترة المشار إليها، ومع الفشل الواقعي للحلول السحرية، التقطت حركة فتح اللحظة التاريخية بعد أن تجمعت نذر الثورة والمقاومة في قطاع غزة وكل مواقع الشتات الفلسطيني داخل أوساط اللاجئين الفلسطينيين، وتنامي الاندفاع الشعبي للعمل المسلح. فكان قطاع غزة حاضنة (جنين )العمل الفدائي المسلح لفتح،
مع كثافة سكانية لاجئة شكلت نقطة التحول في حدوث الميلاد والبوتقة التي أنجبت معظم الرعيل الأول المؤسس لحركة فتح وقوات العاصفة: سليم الزعنون، الشهيد محمد يوسف النجار، الشهيد كمال عدوان: قائد القطاع الغربي للعاصفة (قطاع الأرض المحتلة)، الشهيد خليل الوزير، الشهيد صلاح خلف، ممدوح صبري صيدم، محمد المسحال، زهير العلمي... في الوقت الذي لعب فيه اللاجئون الفلسطينيون في الشتات دوراً حيوياً في دفع وتوليد إرهاصات متتالية فتحت طريق العمل العسكري والفدائي المقاوم انطلاقا من الحزام المحيط بفلسطين.
إن حركة فتح، لم تكن قبل انطلاق الرصاصة الأولى في 1/1/1965 سوى اقرب إلى مجموعة شبه تنظيمية توزعت بين قطاع غزة وسوريا ودول الخليج العربي، وتحلقت حول مجلة «فلسطيننا» ـ تلك المجلة التي أصدرت 442 عدداً، ولعبت دوراً ريادياً في طرح موضوع الكيانية الفلسطينية. وعليه فان وعي حركة فتح لهذا الطرح والدور تعاظم مع المعطيات الناجمة عن حرب 1967، حيث أسهمت في تنمية التوجه نحو الفلسطينية وتصعيده وزيادة مؤيديه.
وهنا تميّزت «حركة فتح» بعنصرين اثنين عن غيرها من القوى الفلسطينية، أهلاها لتتقدم الصفوف، والعنصران هما التوجه المباشر نحو الدائرة الفلسطينية بروح شعبوية دغدغت مشاعر أوسع القطاعات من الناس، ومبادرتها لتبني الكفاح المسلح، وما يحدثه من رنين سحري عند الناس أيضاً.
وما زاد من نفوذ حركة فتح داخل أوساط اللاجئين الفلسطينيين وعند الفلسطينيين عموماً، عدة عوامل حاسمة: أولها مبادرتها في إطلاق الرصاصات الأولى، واكتسابها سبق المهمة برفعها راية الكيان الفلسطيني. وثانيها، فلسطينية العمل الفلسطيني. وثالثها توسع إمكانياتها في الحركة والفعل مع الدعم الهائل الذي تساقط عليها من مختلف الدول العربية، بينما انغلقت باقي القوى الفلسطينية دون أن تعير علاقاتها العربية الأهمية المطلوبة.
ورابعها تبنيها الشعارات «الشعبوية» التي طرحتها في الشارع الفلسطيني، وتعزيز المقولات الاستقطابية، وخامسها الروافع الإقليمية التي تهيأت لها، والسياسات البراغماتية لقياداتها المؤسسة لها، خصوصاً الرئيس الراحل ياسر عرفات، صاحب الروح السياسية البراغماتية بامتياز ورهافة الحس السياسي التكتيكي. وسادسها الدور القيادي الذي احتلته على صعيد الحركة السياسية المبادرة والنشطة بينما غرقت باقي القوى في مشاكلها الداخلية.
وكل هذا مكن حركة فتح من إمساك مقادير الأمور في منظمة التحرير الفلسطينية، بما في ذلك القرار السياسي والإمكانيات خلال فترة قياسية قصيرة، وتوسيع قاعدتها التنظيمية في كل مواقع الشعب الفلسطيني وعلى الأخص وسط المخيمات. وفي ظل الانتفاضة الثانية استعادت حركة فتح حيويتها وفعلها المؤثر متحلقة بأغلبية قواعدها حول قيادة عرفات التاريخية، إلا أنها انتكست وتراجعت مع رحيل الرئيس عرفات،
ومع تفاقم أزماتها الداخلية على خلفية بعض التباينات السياسية، وعلى خلفيات تنظيمية عنوانها التزاحم بين الأجيال، مع ما تحمله من حالة الغضب والاحتقان التي ترسبت لدى القاعدة الشعبية الفتحاوية نتيجة للجمود المسيطر على الأطر التنظيمية للحركة، وتعرض القادة الميدانيون من أبناء غزة والضفة الغربية خصوصاً اللاجئين منهم للتهميش، فيما كانوا هم الأكثر التصاقا وقربا من الشعب الفلسطيني.
ولم تنج حركة فتح من آثار التحولات الدولية في العقد الأخير، ونتائجها التي هزت الأحزاب والقوى على امتداد المعمورة، وارتقاء الوعي السياسي والفكري، الأمر الذي يضع أمامها جملة من المهام لاستعادة أو تجديد شبابها قبل أن تصاب بالشيخوخة والترهل، وضرورة عادة تطوير هياكلها، وبناء مؤسسات قيادية. فالتحدي الجديد بالنسبة لحركة فتح ومستقبلها في الخارطة السياسية الفلسطينية، تحد بالغ الخطورة وعميق الأثر،
ويطرح عليها تجديد أدواتها ومؤسساتها المتواضعة، ودفع الجيل الجديد الرابع من قياداتها الميدانية نحو المواقع المقررة، فهو بحق الجيل القيادي الشباب الصاعد المنتمي إلى اللون السياسي المقاوم في الانتفاضة. فالجيل الأول هو جيل المؤسسين الذي لم يتبق منه على قيد الحياة سوى ثلاثة أفراد: فاروق القدومي، ومحمود عباس، محمد راتب غنيم، والثاني هو جيل الصعود على امتداد السبعينات من القرن الماضي، والثالث هو جيل ما بعد بيروت 1982،
بينما ينتمي الجيل الرابع إلى الصف القيادي الثاني، أي إلى عضوية المجلس الثوري للحركة، وهو الجيل الذي نما وترعرع في الداخل الفلسطيني في ظل الانتفاضتين الأولى والثانية، وتالياً لم يحمل من نتوءات وتشوهات وأمراض وخطايا ثورة الشتات سوى «قدره» الذي وضعه في وعاء اختبار فسيفسائي مع ما تراكم من مثالب بعد نشوء «سلطة فلسطينية وبريق الامتيازات» بعد العام 1994، وهنا بالضبط تكتسي حركة فتح موقعاً ريادياً فلسطينياً يمكن له أن يحفظ ويطور دورها التاريخي كحزب أو ائتلاف تنظيمي داخل بنى المجتمع الفلسطيني.
أخيراً، وفي ظل التباينات الفتحاوية الداخلية، لا خوف على مستقبل العلاقات الفتحاوية الحمساوية. فالوعي الفلسطيني الذي استطاع أن يمرر بذكاء محاولة تأجيج الحروب الأهلية يمكنه أن يستوعب التباينات داخل البيت الفتحاوي ثم في إطار المنظمة والسلطة، والثاني أن الوعي الفلسطيني قادر على التطور لصالح خطاب ديمقراطي على طريق التخلص من رواسب المرحلة الماضية، والشمولية وإرساء القانون والبنى المؤسساتية.
كاتب فلسطيني ـ دمشق