ما كان لمشروع القرار الذي يفرض عقوبات دولية على إيران سيحظى بهذا الإجماع من قبل الأعضاء الخمسة عشر بمجلس الأمن لو لم يتم تفريغه من مضمونه، أو تخفيفه إلى الحد الذي يجعل منه مجرد خطوة مبدئية ضعيفة. وهذا الضعف سيؤدي في خاتمة المطاف إلى تضمين هذا المشروع في لعبة كسب الوقت التي تقوم بها الحكومة الإيرانية، لبلوغ أهدافها بالفعل، ومن ثم وضع العالم أجمع أمام الأمر الواقع.
عند هذا الحد يبدو المشروع مجرد ورقة سيستخدمها الرئيس جورج بوش في الداخل الأميركي ضد منافسيه ومنتقدي سياساته أكبر من كونه تعبيرا عن حالة عامة وجامعة وحازمة من قبل القوى الكبرى في عالمنا المعاصر، لمحاصرة إيران او عزلها،أو تمهيدا لضربها. فروسيا الاتحادية ما كانت ستوافق على القرار لولا تعديله لضمان عدم ذكر مفاعلات المياه الخفيفة في بوشهر،
والتي تبينها موسكو لها بتكلفة تصل إلى 800 مليون دولار، وكذلك لضمان استخدام الفقرة 41 من الفصل السابع لمجلس الأمن التي تتحاشى استعمال القوة لفرض القرارات. كما نجحت روسيا في منع حظر السفر التام على العلماء الإيرانيين فاكتفى القرار بالطلب من الدول الأعضاء إبلاغ لجنة عقوبات تم تشكيلها ضمن القرار في حال دخل أي من هؤلاء العلماء إلى أراضيها.
أما العقوبات المخففة التي تضمنها مشروع القرار فيمكن الالتفاف عليها بسهولة ويسر، فقيود السفر على 11 منظمة إيرانية واثني عشر عالما نوويا وردت أسماؤهم في ملحق القرار، قد تكسر سرا، وفي سياق ترتيب بعض الدول مع إيران. وينسحب هذا الأمر بنسبة ما على مسألة فرض القرار عقوبات خاصة بتجميد أرصدة شخصيات
ومؤسسات لها علاقة بالأنشطة المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، كما أن إيذاء شخصيات بعينها لا يعني أبدا رضوخ نظام حكم بكامله، خاصة في ظل الإجماع الإيراني الداخلي على ضرورة أن تستمر طهران في برنامجها النووي، معتمدة على امتلاكها أوراقا عدة لمناورة الولايات المتحدة، وجعلها في حاجة ماسة دائمة إلى الدور الإقليمي لإيران.
علاوة على ذلك فإن إيران تمتلك خبرة في مواجهة العقوبات الاقتصادية المخففة، فقانون داماتو الذي تفرض الولايات المتحدة بمقتضاه عقوبات على أي شركة تزيد استثماراتها في إيران على عشرين مليون دولار لم يفلح في لجم إيران، رغم مرور أكثر من عقدين من الزمن على سنه، بل تم خرقه من شركات غربية عديدة، طمحت إلى الفوز بعطاءات إيرانية لا تنتهي في مجال التنقيب عن النفط والغاز الطبيعي.
ومن دلائل الضعف والتأرجح في مشروع القرار أنه قد حرص على أن يبقى الباب مواربا أمام إيران، إذ نص على أنه في حال تبين خلال المراجعة التي ستتم بعد شهرين التزام طهران بالقرار فان العقوبات ستعلق وسيعود التفاوض بينها وبين الأوروبيين، وسيكون من حق إيران مواصلة برنامجها النووي السلمي، والانخراط في المجتمع الدولي.
على الوجه الآخر فإن المشروع لم يحدد أي عقوبات تنتظر إيران حال عدم التزامها، مكتفيا بالقول إن المجتمع الدولي سيسعى للخروج بقرار جديد يتخذ «المزيد من الإجراءات المناسبة». وهنا ينتظر الولايات المتحدة الفيتو الروسي والصيني، إن أرادت واشنطن أن تغلظ العقوبات على إيران، بحيث تضعها بين فكي حصار خانق،
أو تستخدم القوة العسكرية لضربها. فموسكو وبكين، اللتان تدركان ما وراء استهداف واشنطن لطهران، لن يضحيا بحليف إقليمي قوي لهما، خاصة الصين التي تنظر إلى الأمر برمته على أنه حلقة في سلسلة التنافس غير المعلن مع الولايات المتحدة على مصادر الطاقة في العالم.
إن إيران، التي هددت قبل ساعات من التصويت على هذا المشروع بالرد على أي قرار عبر وقف عمل مفتشي الأمم المتحدة، لا تجد ـ حتى الآن ـ ما يثنيها أو يجبرها على أن تتنازل عن مشروعها النووي الطموح، وهي تراهن على أن ما يتم في الخفاء يجري لصالحها، وهو أكبر بكثير مما يراه الناس في العلن، ومنه ما يجري في أروقة مجلس الأمن.
مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة