بينما يلتقي العيد الإسلامي للتضحية والفداء مع العيد المسيحي للمحبة والسلام في شحنة من المعاني والدلالات الروحية والإنسانية تستلهم قيم السماء العظيمة سعيا لسيادتها على الأرض، يفترق العامان الميلاديان اليوم في آخر يوم من أيام العام الذاهب وغدا مع مجيء أول يوم من أيام العام الآتي.
وبينما يستعد العام 2006 بكل إيجابياته وسلبياته وانتصاراته وانكساراته والحلو والمرير من ذكرياته، لتسليم كل قضاياه ومشكلاته وملفاته بكل الأبيض والأحمر والأسود من صفحاته، إلى العام 2007 لتكون قضايا العام المقبل الوطنية والإقليمية والعالمية هي نفس قضايا العام الماضي، فمازالت المظالم السياسية في المنطقة العربية والإسلامية من عدوان واستعمار واستبداد عالمي قائمة ومازالت المشاكل الاقتصادية في الدول النامية لم تجد طريقها إلى الحل من فقر وبطالة وديون.
وفيما يطلقون عليه وصف الشرق الأوسط بدوله المتوسطية والخليجية الذي يضم بلادا عربية وإسلامية هي أوطاننا فلابد أن نبقى على مر الأيام والأعوام والأجيال معنيين بقضاياها ومهتمين بشؤونها.. فمن لم يهتم بأمر العرب المسلمين فليس منهم.. هذه الأوطان المجزأة المترددة في السير نحو وحدتها لتحقيق عزتها ونيل حقوقها وكرامتها، لاتزال يتآمر عليها المتآمرون، ويستبيح أرضها ومقدساتها ودماء وثروات شعوبها المعتدون والمحتلون الصهاينة والأنجلو أميركيون في فلسطين والعراق،وفى الصومال وأفغانستان وفى السودان..
وما زال الأطلسيون الغربيون ينشبون مخالبهم في الشؤون الداخلية لسوريا ولبنان، ولا تزال عملياتهم العلنية والسرية وخصوصا الإسرائيلية والأميركية متواصلة بزرع بذور الفتن بين قواها الطائفية والمذهبية والسياسية بهدف التمهيد لتدخلهم العسكري وتدويل القضايا العربية بهدف تمكين أدواتهم واتباعهم من السيطرة على حكوماتها وتوجيه سياساتها
وفقا لأجندتهم الاستعمارية الشرق أوسطية.مثلما يحاولون الآن في دافور السودانية، ويستخدمون الأداة الإثيوبية لحرب صهيونية أميركية على الأراضي الصومالية مهددين بالحماقة والغباء معا بإشعال حرب واسعة في القرن الافريقي ضد ما هو عربي أو إسلامي سوف تحترق أصابعهم بنيرانها.
هذه الملفات التي تنتقل إلى العام الجديد ولا تزال مفتوحة، بالإضافة إلى تصعيد الغرب للتوتر في المنطقة بشأن البرنامج النووي السلمي الإيراني الواقع بالفعل تحت رقابة الوكالة الدولية للطاقة النووية وذلك بفرض عقوبات من مجلس الأمن الدولي ضد إيران الموقعة على اتفاقية منع الانتشار النووي، في ازدواج واضح للمعايير مع صمت أميركا والغرب عن مناقشة البرنامج النووي العسكري الإسرائيلي غير الموقعة،
وبنفاق أميركي ذي وجهين حين يتعاون نوويا مع الهند النووية العسكرية وليس مع باكستان النووية العسكرية وهما الحليفتان غير الموقعتين لاتفاقية الحظر النووي! وهكذا يمر عام ليبدأ في المرور غدا عام جديد بينما البشرية كلها مع كل عام جديد تصلي جميعها متطلعة إلى عالم جديد بغير نزيف للدماء أو ذرف للدموع.
وربما الأيام لا تمر بل نحن الذين نمر.. فقضايا البشرية بالأمس تكاد تكون هي ذاتها قضايا اليوم ما لم تتزايد، وملفات العام 2006 التي تنتهي اليوم آخر أيامه، هي نفسها ملفات العام 2007 الذي يبدأ غدا أول أيامه ما لم تتضخم، ومعاناة الإنسان في أكثر من مكان على سطح الأرض تحت وطأة الحروب والمجاعات والأمراض ما زالت تتصاعد ما لم تتضاعف،بما لم يترك مساحة كافية لكي يبقى في الناس المسرة وعلى الأرض السلام.
ربما الأيام لا تمر بل نحن الذين نمر.. فبرغم توالي الأيام والأعوام والقرون بما يبدو تقدما« لحركة التاريخ» إلى الأمام في اتجاه تحقيق آمال البشرية في عالم أكثر عدلا، وأكثر رخاء، وأكثر سلاما، يتوالى تراجع الإنسان في عصر القرن الحادي والعشرين فيما يبدو تقهقرا «لحركة التاريخ» إلى الوراء برغم مساحيق التجميل الكلامية حول مبادئ الاستقلال والسيادة وحقوق الإنسان والحرية السياسية والعدالة الاجتماعية باتجاه عصر الغابة حيث ظلم القوى للضعيف وظلمة ليلها الحالك.
والفارق كبير بين «التأريخ» و«التاريخ» فالأول هو مجرد رصد عددي بالساعات والأيام والشهور والأعوام الماضية وفقا للمفكرة السنوية، بينما «التاريخ» حركة رصد حدثي للمعارك والأحداث والوقائع التي مازالت مؤثرة في الحاضر وقد يمتد تأثيرها إلى المستقبل.. التأريخ مجرد مذكرة ورقية أو الكترونية تذكر البشر بحركة الوقت، والتاريخ شيء أكبر بكثير من الذاكرة، إذ هو ذاكرة الإنسانية للأحداث المؤثرة على البشرية وحركة مستمرة في كل وقت.
وفى حين تبدو عملية التأريخ هي تأشير محايد على الفواصل الزمنية كالأيام والأعوام والعقود وتسجيل صلب لما حدث من وقائع في هذه الفواصل، فإن حركة التاريخ تبدو كنهر لا تتوقف مياهه عن الجريان مختلطة بدماء الشهداء من ضحايا الحروب وعرق الفقراء في العالم الثالث ودموع التعساء من جرحى ظلم الإنسان لأخيه الإنسان أو من استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، ولا تحد حركته الفواصل الزمنية
سواء كانت أياما أو أعواما، عقودا أو قرونا، ولأن التأريخ هو جزء من التاريخ فإن هذه الفواصل الزمنية تتحول إلى محطات تاريخية عندما تتوافق مع أحداث تؤثر في ما يليها من أيام وأعوام وهنا تكون جديرة بوقفة أمامها للتعلم وللتقويم وأيضا للتساؤل والمساءلة.
وفى كل الأحوال فإن الفاصل الزمني بنهاية عام 2006 وبداية 2007 يمكن أن يكون فرصة لوقفة مع النفس سواء على مستوى الفرد أو على مستوى الدول، على مستوى المنظمات الإقليمية أو الدولية لرصد الإنجازات المادية والمعنوية التي تحققت خلال هذه الفترة الزمنية المحددة وماذا كان قد تحققت فيها إيجابيات غير محددة، وأيضا تكون فرصة لرصد التراجعات التي قد وقعت فيها، والمقارنة في الحالتين بمثل هذه الفترة في عام مضى.
والهدف هو استلهام ما في أيامنا التاريخية من خير ومن دوافع إيجابية ومن معانٍ إنسانية نبيلة تذكرنا بإنسانيتنا وتدفعنا إلى الإصرار على العدالة والمحبة والتسامح والتكافل والتراحم مع النفس ومع الغير، وتمنعنا من الوقوع في مستنقعات الشر والظلم والتعصب والكراهية شطب ما هو سلبي في حياتنا وتنمية إيجابياتنا، وتلقى الدروس من أخطائنا قبل إنجازاتنا، ومن إخفاقاتنا قبل نجاحاتنا، ومن هزائمنا قبل انتصاراتنا.
ولهذا فإن وقفة عرفات والعيد دوماً هي أيام للأمة الإسلامية كلها للتساؤل والمساءلة ولحساب الضمير على مستوى الأفراد والمسؤولين، فيم قصرنا وفيم أجدنا ؟ وماذا قدمنا لأنفسنا ولإخواننا في أمتنا في ومجتمعنا، ووقفة للانتصار للمظلومين والمساعدة للمحتاجين والمحرومين، وللدفاع عن المظلومين والمقهورين..
ثم هي أيام واجبة للدعاء مع الحجيج أن يوحد الله صفوف العرب والمسلمين،وينصر المقاومين والمناضلين ضد كل المعتدين والمحتلين والظالمين، ويؤلف بين قلوب الوطنيين المتخالفين وينشر السلام بين القوميين المتنازعين وأخوة السلاح المتقاتلين، ويهدى الجميع إلى شجاعة الانتصار على النفس كشرط ضروري حتى يمكنهم الانتصار على أعدائهم.. وبهذا يمكن حقا أن نستلهم ما دعانا إليه النبي محمد عليه الصلاة والسلام وحينها فقط يمكن أن نشعر بفرحة العيد.
ولهذا أيضا وجب أن تكون بداية العام الميلادي الجديد بداية لصفحة بيضاء جديدة، تستلهم ما بشر به النبي عيسى عليه السلام من قيم المحبة ومن فضيلة التسامح، ومن رسالة السلام، وخصوصا مع ما يحمله تلاقي العيد الإسلامي والعيد المسيحي من دلالات التعاون والتفاهم لصنع الوئام الوطني والقومي ولصنع السلام العالمي العادل.
ولهذا ندعو الله مخلصين كمسلمين مع كل المسيحيين المخلصين ليكون بالناس المسرة وعلى الأرض السلام، وأن يجمع الله بين كل الموحدين المؤمنين برسالات السماء الخالدة، الشركاء في الوطن الواحد كمواطنين متساوين على كلمة سواء من أجل خير وطننا وأمتنا وعالمنا كله و.. كل عيد جديد وكل عام جديد والبشرية كلها بحرية وعدل ورخاء وسلام.
كاتب مصري
mamdoh77t@hotmail.com