ليس من شأن الفلسطينيين التغاضي عن التطورات الايجابية خصوصا اذا حدثت في دول مؤثرة على سير الاحداث في المنطقة وليس من شك في ان الولايات المتحدة التي احتكرت الجهود الدبلوماسية لتسوية الصراع العربي - الاسرائيلي هي في مقدمة القوى الدولية القادرة على استخدام ما تمتلكه من نفوذ وعلاقات على دول الشرق الأوسط وخصوصا اسرائيل، ومن المؤسف ان المواقف الاميركية على وجه العموم كانت منحازة للجانب الاسرائيلي وهذا ما تعترف به المصادر الاميركية ووسائل الاعلام والمسؤولين في الولايات المتحدة ذاتها، ولعل سجل مجلس الامن الدولي ومشروعات القرارات التي اجهضها »الفيتو« الاميركي وكانت تدين ممارسات استيطانية او مجازر وعمليات عسكرية اسرائيلية، هذا السجل يثبت حقيقة المواقف الاميركية على الصعيد الدبلوماسي فقط وحدث ولا حرج عن المجالات والصعد الاخرى.
اما التطور الاستثنائي الذي وقع امس الاول فهو التصريح الذي صدر عن غونزو غالاغوس المتحدث باسم الخارجية الاميركية حول موافقة الحكومة الاسرائيلية على بناء مستوطنة في الغور تحمل اسم »ماسكيوت« وتخصص لاستيعاب المستوطنين السابقين الذين اخلتهم حكومة ارئيل شارون من قطاع غزة، وكان هذا التصريح قويا في لهجته وفي انتقاده الصريح للحكومة الاسرائيلية والمطالبة بان تلتزم هذه الحكومة بالتزاماتها وفقا لخطة خريطة الطريق وان تمتنع عن اتخاذ اي خطوات من شأنها ان تحدد مسبقا نتائج مفاوضات الوضع النهائي، وهذه لغة تكاد تكون جديدة في قاموس التعبيرات السياسية الاميركية الموجهة لاسرائيل.
والفلسطينيون الذين لديهم من الموضوعية وحسن التقييم ما يمكنهم من اعتبار هذا التصريح مبادرة ايجابية تستحق التقدير ، يتوقعون من القوى المنصفة التي وقفت وراءه ان تواصل جهودها لتطوير ادبيات رسمية داخل وزارة الخارجية الاميركية وضمن الادارة الاميركية على اختلاف اذرعها تسعى لتشجيع ودعم التوجهات المتوازنة في السياسة الاميركية تجاه النزاع العربي - الاسرائيلي وتسمي الاشياء باسمائها الحقيقية ولا تقف على يمين اليمين الاسرائيلي من اجل مصالح حزبية او استرضاء قطاعات انتخابية معينة، مهما بلغ من نفوذ هذه القطاعات وسطوتها.
وحين يتعلق الامر بالظاهرة الاستيطانية وهي التي كانت محور هذا التصريح، فان غموض المواقف الاميركية تجاه هذه الظاهرة لا سيما في ضوء الضمانات التي حصل عليها رئيس وزراء اسرائيل السابق ارئيل شارون من الرئيس الاميركي جورج بوش قبل ما يقارب العامين واعطى فيها شرعية اميركية لبقاء مستوطنين في الضفة الغربية، هذا الغموض ليس من شأنه ان يساعد على تحريك عملية السلام في الاتجاه المقبول فلسطينيا وعربيا ودوليا.
وربما كانت ضبابية الموقف الاميركي هي السبب او الغطاء الذي تستغله الحكومة الاسرائيلية، بل هي استغلته بالفعل، للتوسع الاستيطاني وبناء آلاف الوحدات السكنية في المستوطنات الكبيرة بالضفة وربما في بناء مستوطنات جديدة مثل مستوطنة »ماسكيوت« التي انتقدت الخارجية الاميركية اقامتها.
وفي الوقت الذي يرحب فيه الفلسطينيون بهذا الصوت القوي والمنصف في الخارجية الاميركية فانهم يأملون ان يتعزز هذا الصوت والقوى المساندة له وان لا تغطي عليه الاصوات المعبرة عن مجموعات الضغط والمنظمات اليهودية الاميركية التي اعتادت على ممارسة ما تمتلكه من نفوذ لصالح التوجهات المنحازة كليا لاسرائيل ودون اي اعتبار لمتطلبات السلام العادل والشامل في المنطقة.