يقف حُجَّاج بيت الله الحرام اليوم على صعيد عرفات، وقفتهم الكُبرى، في مشهدٍ روحاني عظيم، تذوب فيه كل التمايزات، وتزول الانتماءات المذهبية والطائفية، وتضمحلُّ الفوارق بين أولئك الذين لبّوا النداء جاؤوا من كل فجّ عميق، لأداء الركن الخامس من أركان الإسلام، وطلب المغفرة من المولى سبحانه وتعالى، الذي جعل من فريضة الحج، كما هو شأن بقية الفرائض، همزة وصل بين العبد وخالقه لتسمو بها النفس البشرية وتتطهر من أدرانها وشوائبها.

زدْ على ذلك أن فريضة الحج هي من العبادات التي لا تخلو في مكوناتها من أمور يدركها أئمة الفكر الإسلامي، وكل مُتعمقٍ في دلالاتها ومعانيها العظيمة والخالدة، وهي أمور ترتبط بطبيعة مبدأ التوحد، الذي يحثُّنا عليه ديننا الحنيف، كمبدأ أصيل، يستمدُّ جوهره من رسالته السامية التي جاءت لتخرج البشرية من الظلمات إلى النور ومن الجهل والضلالة إلى العلم والهداية.

ومن البديهي أن يستلهم أبناء الأمة الإسلامية من فريضة الحج الموجهات التي تعزز من وحدتهم وتضامنهم وذلك عن طريق استيعابهم لدلالات تلك الصورة التي تتكرر كل عام على صعيد عرفات الله، حيث يلتقي حُجاج بيت الله الحرام بمختلف أجناسهم وألوانهم وأعراقهم ولغاتهم، في صفوف متراصة تجمعهم غاية واحدة، هي طاعة الله وملبّين ومكبرين، بصوت واحد.

«لبّيك اللهم لبيك لبّيك لا شريك لك لبّيك»..

ليجسدوا بذلك وحدانية هذا الدين المحكوم بقاعدة المساواة، «إن أكرمكم عند الله أتقاكم»

وحيال كل ذلك فإن من الحكمة والصواب أن يتمعن أبناء الأمة العربية والإسلامية ملياً، في خصائص فريضة الحج، وعلى النحو الذي يتيح لهم شحذ ديمومة الذاكرة، والتعبير عن ذلك في الموقف مع النفس حتى يتمكنوا جميعاً من استلهام الدروس بما يفيدهم ويحقق لهم المنعة والعزة والسؤدد، إذ أن فريضة الحج تحمل من القيم والمبادئ والأخلاقيات والمثل، ما نستطيع من خلاله التعلم كيف نواجه تحدياتنا، وكيف نتغلب على أزماتنا بل وكيف نحل مشكلاتنا، وكذا كيف نتقدم نحو ما يخدم ديننا ودنيانا.

ومن المؤكد أن فريضة الحج هي كذلك ؛ ويجب أن نستشرف حقيقتها التي تجاهلناها بعد أن سيطرت علينا حمى الاختلافات والتباينات التي استفحلت في حياتنا ولم يعد بالإمكان الخلاص منها، ما لم تصفُ الضمائر، ويتحرر أبناء هذه الأمة من أنانياتهم التي كان من نتائجها تبعثر هذه الأمة إلى أشتات وأجزاء متقاطعة على بعضها البعض الأمر الذي وفر الفرصة للآخرين للقيام بتصنيف أقطارها وشعوبها إلى قسمين أحدهما معتدل والآخر متشدد، لتنطلي عليها هذه الألاعيب حتى بدت، غير متجانسة مع نفسها، وغير قادرة على رسم أولوياتها وارتياد مكانتها الحضارية والتاريخية.

وأمام هذه الحالة من العجز فقد كان من الطبيعي أن تتكالب عليها التحديات وأن تحيط بها النكبات والكوارث على النحو الذي يجري اليوم على ساحاتها أكان ذلك في فلسطين أو العراق أو في لبنان والصومال وغيرها، وهي أوطان عربية وإسلامية باتت تطلق الزفرات العنيفة من أفواه أجساد تعاني مرارة الحروب والصراعات المستحكمة بمصائرها، ان لم يكن حاضرها ومستقبلها في الوقت الذي تظهر فيه شعوب هذه الأمة إما منكفئة على ذاتها القطرية أو خائفة من احتمالات الغد أو منشغلة بتحصين الداخل حذراً من استهداف الخارج، وهي مسلكية لا يمكن فهم إيحاءاتها أو إيماءاتها، أكان ذلك من خلال معايير السياسة أو موجبات المصلحة أو حتى مفهوم الحيطة والتقية من المجهول، خاصة إذا ما علمنا أن أمن الأمة العربية والإسلامية، هو كل لا يتجزأ وان الأمن الوطني ليس منفصلاً عن الأمن الإقليمي وأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال، أن ينأى أي قطر عربي أو إسلامي بنفسه.

وحريٌّ بنا وفي مثل هذا اليوم المبارك ان نجعل من الوقفة الكبرى لحجاج بيت الله الحرام حافزاً ودافعاً للتعلم من أخطائنا وتجاربنا وهي ليست بالقليلة لنتجه نحو فتح صفحة جديدة من التصالح والتلاحم والتضامن والتماسك ووحدة الصف بعيداً عن التشكيك في النيات أو الانفعالات التي تفرق ولا تجمع وتضر ولا تفيد، وبإمكاننا تحقيق ذلك إذا ما تمسكنا بثوابت ديننا وجعلنا من وحدة الأمة هي المرتكز والمنطلق الذي نجتهد من أجله ولا نفرط به مهما كانت الأنواء والشدائد مع دعواتنا لحجاج بيت الله الحرام بحج مبرور وسعي مشكور وذنب مغفور والعودة إلى أوطانهم سالمين غانمين آملين من المولى جلّت قدرته أن يوفق هذه الأمة إلى ما فيه صلاحها ورشدها وأن يمنّ عليها بالمنعة والسداد إنه على كل شيء قدير.