حين دخلت القوات الاميركية وقوات التحالف الدولي الى العراق كانت الوعود باقامة عراق جديد يسوده الامن والحرية والديمقراطية تمهد لذلك الاحتلال الذي ظهرت اهدافه الحقيقية على الفور ، وبرزت نتائجه التدميرية التي قطعت اوصال ذلك البلد واشعلت الفتنة بين اهله في فترة زمنية قصيرة حتى بدت كل الاجراءات التي اتخذت على صعيد تشكيل المؤسسات الدستورية المختلفة عاجزة عن التعبير عن الحد الادنى من طموحات الشعب العراقي ومتطلبات السيادة الوطنية وفرض سلطة القانون والنظام.
والان وبعد الاعتراف بان وضع القوات الاميركية في العراق يبعث على القلق داخل الولايات المتحدة واستفحال مظاهر الحرب الاهلية داخل العراق ، وعجز الجميع عن تحقيق الامن والاستقرار ، فان المشاورات التي يجريها الرئيس الاميركي جورج بوش مع كبار مساعديه تأتي تحت ضغط الجماعات السياسية والعسكرية والتي لم تعد قادرة على الدفاع عن مبررات الوجود الاميركي في العراق لن تغير من الوضع الراهن شيئا بما في ذلك الاعباء التي تتحملها الادارة والخزينة الاميركية ، والخسائر في الارواح التي تتكبدها تلك القوات.
وحتى تقرير بيكر هاملتون الذي قوبل بالرفض والسخط من جانب القيادات العراقية فانه بقدر ما شكل ضغطا اضافيا على الرئيس بوش بقدر ما اظهر عمق التورط الاميركي في الشرق الاوسط ، ورغم عشرات التوصيات المعلنة وغير المعلنة التي وردت فيه فان اقصى ما يمكن ان يفعله الرئيس الاميركي في هذه المرحلة هو ان يتصرف على اساس انه يسعى الى تغيير سياسته في العراق ، ولكن السؤال الكبير الذي تصعب الاجابة عليه الان هو هل يملك القدرة على وضع استراتيجية تعالج المسألة برمتها ، ام انه سيقلص من الوجود والخسائر من خلال تقليص الدور؟ واذا كانت تلك هي الفكرة التي تدور في رأسه فما هي قدرته على التراجع الى الخلف ، او خلق بدائل عن ذلك الدور؟
في جميع الاحوال فان وضع استراتيجية جديدة مهما كان شكلها ستعطي الاولوية لحل المأزق الاميركي في العراق حتى ولو كان على حساب الحلفاء العراقيين ، وتلك الحقيقة بدأت تفرض نفسها على القيادات العراقية مثلما رأينا في رد فعلها على تقرير بيكر هاملتون ، وهذا يعني ان عليهم هم ايضا تغيير خطتهم او استراتيجيتهم اذا جاز التعبير ، آخذين في الاعتبار كل الاحتمالات ، وبدل ان يفرض عليهم اجراءات غير مضمونة النتائج يمكنهم اعادة تقييم الموقف وقراءة الاوراق بصورة واضحة وصحيحة ، ليبدأوا عهدا جديدا من الانفتاح على جميع القوى الموجودة على الساحة تساندهم في ذلك الدول العربية والمجتمع الدولي الذي يستطيع ان يضع حدا للتدخلات الاقليمية بالطرق السلمية.
وسواء طال او قصر عمر هذه الحقبة المريرة ، فان حال العراق لن يصلح من دون التوافق والتصالح بين اهله وقواه المختلفة التي وقعت ضحية النزاعات السياسية ، ومهما قيل عن صعوبة ذلك الامر وتعقيداته فان الوسيلة الوحيدة التي سيتم اتباعها في نهاية المطاف هي الحوار الهادف والبناء بين الفرقاء ، وكلما اسرعوا نحو الوفاق الوطني كلما قلت الخسائر التي يمنى بها العراق في شعبه ومقدراته ومنجزاته ، والخطوة الاولى في هذا السبيل هي ان ينسى الجميع المعايير العرقية والمذهبية التي جعلتهم في السلطة ويتصرفوا على اساس المسؤوليات التي يتحملونها بصفتهم القانونية والوظيفية والاخلاقية ، وهو ما يشكل الضمانة الوحيدة لهم ، ولبلدهم ضمن حدوده السياسية ، وشعبهم وفق تعريفه الاجتماعي والوطني منذ عهد الاستقلال الاول.