تسود الشارع العربي حالياً على اختلاف انتماءاته وطوائفه مشاعر اليأس وخيبة الأمل من التوصل إلى حلول سياسية فاعلة للأزمات الحالية التي تعصف بعدد من الدول العربية نتيجة تنازع فصائل داخلية فيها، ما ينذر باحتمال اشتعال حرب أهلية بين الفينة والأخرى ولاسيما مع سيل الدماء الكثيف الذي ينزف يومياً بين هنا وهناك.

وما يزيد من مشاعر الحزن والأسى عند العرب أن هذه الأزمات تنذر بكوارث قد تمتد لتشمل كامل الإقليم دون أن تقتصر آثارها السلبية على فلسطين والعراق ولبنان فقط، بل إن التشاؤم يتصاعد إلى أعلى درجاته مع ضيق فسحات الأمل في توصل أطراف المنازعات السياسية إلى حلول مرضية والتي يعتبر تشكيل حكومات الوحدة الوطنية في تلك البلدان من أهمها.

ومن هذه النقطة بالذات أي من الفشل الذريع الذي منيت به المساعي لتشكيل الحكومات الوطنية الموعودة يمكن التأكيد على حجم المأزق السياسي الحالي، والتأكيد كذلك على أن المشكلات الحالية ما هي إلى نتائج تراكم خلافات قد تعود إلى عقود سابقة وكانت طي الكتمان أو مغلفة بعبارات المجاملات الإعلامية الرسمية وبتوافقات المصالح المتبادلة إن صح التعبير.

وربما المثال الصارخ على هذا والذي يتطلب الوقوف عنده مطولاً هو الخلاف الناشب بين حركة المقاومة الإسلامية حماس التي أتت ومن انتخابات قيل عنها أنها شرعية وديمقراطية نزيهة لتستلم زمام السلطة رغم عدم امتلاكها الخبرة السياسية الكافية لإدارة الجوانب المختلفة لشؤون الحكومة، وبين حركة فتح التي وجدت في فوز حماس خروجاً لها من الصف القيادي الفلسطيني بعد أن كانت لسنوات خلت صاحبة القرار الأوحد فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية.

والمشكلة هنا أن هذه الخلافات وصلت إلى حد الاشتباكات المسلحة بين الفصيلين والتهديدات بتصفيات قيادية وصلت ذروتها في محاولة اغتيال رئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية عند معبر رفح بعد عودته من جولة عربية جمع خلالها مبلغاً من المال كمساهمة لحل أزمات الشعب الفلسطيني الذي يعاني من حصار إسرائيلي مقيت منذ أشهر، وإعلان محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية على أثرها عن إجراء انتخابات تشريعية جديدة في فترة مقبلة. وهذا كله يعني أن هناك جولة أخرى من الاختلافات والمفاوضات السياسية والأزمات التي لن تبشر بحلول إيجابية على المدى المنظور.

أما الأزمة الأخرى فهي الانتحار الجماعي الذي يمارس من العراقيين ضد العراقيين أنفسهم والذي بلغ في الأشهر الأخيرة ذروته حيث تجاوز عدد القتلى من السنة والشيعة في شهر واحد ثلاثة آلاف قتيل من المدنيين العزل الذين لا ذنب لهم سوى أنهم محسوبون على فئة دون أخرى وشاءت أقدارهم أن يكونوا في مكان التفجيرات غير العقلانية. ومجرد النظر إلى هذا الرقم المرعب من أية جهة كانت يمكن الاستدلال على الفوضى التي تجتاح هذا البلد والتي تنذر بحرب أهلية تزيد الفرقة وتضيع حلم الشعب العراقي بحكم ديمقراطي أو تشكيل حكومة وحدة وطنية ولاسيما مع الاختلاف الكبير بين صناع السياسة العراقية.

من العراق إلى لبنان لنبقى وللمرة الثالثة مع طموح تشكيل حكومة وحدة وطنية في فترة زمنية واحدة إلا أن الوضع في لبنان البلد القائم أساساً على توزع طائفي مختلفٌ نسبياً، فهو لم يصل إلى حد النزاع المسلح بين الجهتين المتنازعتين حول مسائل تتعلق بشرعية الدولة الحالية والتي نتجت عن استقالة عدد من الوزراء احتجاجاً على ما أسموه تدخلاً خارجياً في شؤون لبنان الداخلية، ووصلت الأزمة بعد فشل الحوارات للنزول إلى الشارع لإسقاط الحكومة، ولتضيع معها أحلام الشعب اللبناني الذي قدر له أن يكون الأكثر عرضة للخلافات السياسية أن يعيش في وفاق واستقرار من جديد.

ومع هذه الأزمات المتجددة يبدو من الصعوبة التنبؤ بشكل يقيني عن الوقت الذي ستنتهي فيه هذه الأزمات رغم وجود الكثير من المبادرات في هذا الخصوص، إلا أن الحل لن يكون أولاً وأخيراً إلا بالعودة مجدداً إلى طاولات الحوار ووضع مصلحة شعوب هذه البلاد في الأولوية وتقديمها على أية مصالح أخرى مهما كانت، وعندها فقط يمكن رسم الصورة النهائية للاحتقانات السياسية الحالية التي جعلت من العام الحالي الأسوأ عربياً.

Omarb_4@hotmail.com