رد إدارة الرئيس بوش على قرار حكومة أولمرت، ببناء مستوطنة جديدة في الضفة، لا يخرج عن المألوف. لا في الشكل ولا في المحتوى. جاء، كما كان دائماً في مثل هذه الحالة، كالماء، لا لون له ولا طعم. صحيح أنه وصف الخطوة بأنها تشكل انتهاكاً لخريطة الطريق لكن ذلك لا يسمن ولا يغني من جوع. عبارة التوصيف يمكن جديدة. أمّا النتيجة فهي نفسها كما كانت باستمرار: إسرائيل تبني وتتوسع في الاستيطان ولا تلقى من واشنطن سوى ردود تدور في ذات الحلقة الفارغة. مرة كانت تقول إن الاستيطان «يعرقل» العمل والمساعي المبذولة للسلام. ومرة كانت تصفها بأنها لا تتفق والاتفاقات المبرمة. واليوم تقول عنها بأنها «انتهاك».
وانتهى الأمر، عند هذا الحدّ. ولا مرة وصفت واشنطن الاستيطان أو تمدده، بأنه غير شرعي. ولا مرة جاء ردها على صورة إدانة صريحة. أو بالإعلان عن موقف بعدم الاعتراف بمثل هذا التمدد أو المطالبة بإزالته. ناهيك بالتلويح بثمن تقوم بتحميله لإسرائيل. وكأن ردودها في هذا المجال كانت ولا تزال تأتي من باب «رفع العتب»، الخجول بكل حال. أو مجرد تسجيل موقف، برسم الجانب الفلسطيني والعربي.
والحصيلة كانت، باستمرار مواصلة إسرائيل لهذه السياسة التي شكلت أحد ثوابت استراتيجيتها في المنطقة.
في الواقع، كان مثل هذا النقد اللفظي الباهت لها بمثابة الضوء الأخضر، للمضي في هذه السياسة، التي طالما ضربت من خلالها أكثر من عصفور بحجر واحد. فهي وفرت لها توسيع المستوطنات السابقة، بزعم الحاجة إلى توسيعها تلبية «لنموها السكاني»! كما كانت الإدارة الحاسمة لنهب المزيد من الأراضي الفلسطينية. بل أكثر من ذلك، إذ إن زرع المجمعات الاحتلالية في هذه الأراضي حقق هدف تمزيق هذه الأخيرة وفصلها عن بعضها بحيث بقيت المناطق الفلسطينية، أشبه بالجزر المزنّرة بالطرقات والحواجز وعرضة متواصلة لتعديات المستوطنين.
وفي مقابل كل ذلك دأبت واشنطن على الزعم بأن هذا الملف ينبغي معالجته والتوافق حوله، على طاولة التفاوض.
صارت المستوطنات، القائمة على الاحتلال، ورقة مساومة بيد إسرائيل. طبعاً ليست كلها. فقط بعض البقع الصغيرة والمعزولة منها. أما البقية فقد تحولت بالأمر الواقع والغطاء الأميركي الملتوي، إلى ملكية إسرائيلية!
المستوطنات والتعامل الأميركي المتواطئ معها، قصة قديمة. كان لها ما يكفي من الوقت كي تتحول إلى اختراقات إسرائيلية قاسية للأراضي الفلسطينية. باتت أحد عناصر التعطيل لفكرة الدولة الفلسطينية على أراضي 1967، وفي حين لا تفوت واشنطن بوش مناسبة من دون التذكير برغبتها في رؤية «دولة فلسطينية قابلة للحياة» إلى جانب إسرائيل، إلا أنها في الوقت ذاته تتجاهل الموضوع الاستيطاني الذي كان باستمرار أحد أكبر العقبات في طريق أية تسوية معقولة: بالكاد ترشقه بوردة.
وإذا كان من الغريب جمع هذين الضدين فإن الأكثر غرابة أن تتواصل الأزمة الحكومية الفلسطينية، على مرأى من مواصلة إسرائيل لقضم الأراضي الفلسطينية.