المشهد السياسي الأميركي يتصف الآن، بالطبع، بأنه فوضوي. والثقة بقيادة الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش وحكمته متدنية، عن جدارة، في أميركا وفي كل مكان على الساحة العالمية، في أوروبا، آسيا، وعلى نحو له أهميته في الشرق الأوسط المسلم.

عادة، حتى عندما تمضي الحياة الجيوسياسية في الطريق الخطأ، فإن الاقتصاد الأميركي يكون ثابتاً بشكل معتدل، وقد مكّن هذا القاطرة الأميركية من المساعدة في إبقاء النمو العالمي قوياً إلى حد كبير منذ عام 2000.

غير أنه الآن وقد أطل عام 2007، فإنه يتعين عليّ القول إن اضطراباً غير عادي يهيمن على كل من بورصتي مين ستريت ووول ستريت. والمستثمرون في السندات الأميركية يتصرفون كما لو كانوا يعتقدون أن الاحتياطي الفيدرالي الأميركي سيخفض سعر الفائدة في القريب العاجل لإبعاد ركود في قطاعي الإسكان والسيارات.

ويتبنى المشترون لأسهم الشركات في بورصة وول ستريت رؤية مناقضة، فمنذ منتصف العام ارتفعت مؤشرات أسعار الأسهم إلى ذرى تعلو على مستويات الفقاعة بمعدل يزيد على 2% سنوياً، والنقلة التالية لأسعار الفائدة سيتعين أن تكون باتجاه الرفع، لا الخفض.

وطوال معظم عام 2006 كان سعر قطع الدولار ينخفض مقارنة باليورو والجنيه الإسترليني. وربما لم يكن الانخفاض الأقل للدولار في مقابل الين الياباني مؤشراً إلى قوة العملة الأميركية، وإنما بالأحرى راجعاً إلى حرص اليابان البالغ على إبقاء معدل تبادل الين في وضعية مواتية لجعل صادراتها تنافسية. ولتحقيق هذا الهدف فإن اليابان ستكون على استعداد للإبقاء على الدين الأميركي منخفض العائد، حتى ولو ترتب على هذه الأصول تحقيق خسائر مستقبلية.

ولا يزال هنري.م بولسون وزير الخزانة الأميركي الذي قدم لتوه من بنك جولدمان ساكس الاستثماري القوي يتظاهر بأنه مؤيد لـ (دولار قوي). وفي حقيقة الأمر وتصديقاً لما يطرحه كل الخبراء فإن وزارة الخزانة الأميركية ترحب بتخفيضات معتدلة للدولار من شأنها أن تقلل عجزنا التجاري المزمن. ويحاول بولسون بصفة خاصة عن طريق الدبلوماسية إقناع الصين متعاظمة القوة بالسماح بتعويم عملتها، اليوان، بما يزيد قيمتها.

أي رؤية هي الصحيحة؟ هل ثمة ركود أميركي في انتظارنا في 2007؟ أما أننا سنكون محظوظين بهبوط غير ارتطامي؟

هل سيؤدي معدل زيادة في نمو الناتج يبلغ أقل من 2% إلى الهبوط بنمو التضخم إلى معدل 2% الذي يمكن السماح به؟ هل سيعني مثل هذا الهبوط غير الارتطامي أن انخفاض الأسعار في قطاع الإسكان سينتهي قريباً؟

إنني أحاول أن أكون واقعياً أكثر مما أكون متفائلاً أو متشائماً. وفيما يلي تقويمي للأدلة الجيدة أو السيئة:

1 ـ سيكون من قبيل الاندفاع غير الرصين توقع أن الميزان التجاري الأميركي سيتحسن سريعاً، فنحن الأميركيين لا نزال جادين فيما يتعلق بالمبالغين في الاستهلاك والمقلين في التوفير.

وتخفيضات بوش الضريبية في الفترة من 2001 إلى 2006 ونفقاته العسكرية المتفجرة تضيف ابتعاد الحكومة عن التوفير إلى المعادلة، بل إنني لدي شك في أن مديونيتنا الدولية ستكف عن النمو خلال العامين الباقيين لبوش في البيت الأبيض.

2 ـ سيقوم الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في أفضل الأحوال بالإبقاء على معدل فائدته كما هي على امتداد الشهور العديدة المقبلة. وسيقتضي الأمر ضعفاً مفاجئاً في الاقتصاد الأميركي لإقناع رئيسه بن برنانكي بخفض معدل الفائدة.

3 ـ من المشكوك فيه أن الكونغرس الديمقراطي الفائز يمكن أن يقلل في القريب العاجل من تردي بوش في الشرق الأوسط. وعلى المرء أن يتوقع أن حق الاعتراض الرئاسي سيحبط أي محاولة من جانب الكونغرس الجديد لإنهاء تخفيضات بوش الضريبية الممنوحة لمليونيرات أميركا الأكثر ثراء. ولذا فلا تعتمدوا على تخفيضات ملموسة في عجوزات الميزانية المالية.

4 ـ بقليل من الحظ سيكون من الأكثر حكمة التنبؤ بالرهان الوسطي التالي مقارنة بأي من السيناريوهات الثلاثة الأكثر تطرفاً:

أ) نمو في إجمالي الناتج المحلي الأميركي الحقيقي بمعدل 5 ,1 % إلى 3%

ب) معدل تضخم جوهري يتراوح بين 75 ,1 % إلى 25 ,2 %

ت) عدم وجود اندفاع جائح ضد الدولار في المستقبل المنظور.

إن الاقتصاد ليس علماً بالغ الدقة، وكل تنبؤ مبني على البراهين يمكن أن يتبين أنه خاطئ عل نحو مؤسف. ولذا فلا بد من الحذر من أي من المخاطر المحتملة التالية:

1) يمكن لقوة دفع هائلة أن تنطلق ضد الدولار في أي وقت. والخوف المتعاظم من ركود أميركي يمكن عندئذ أن يطلق تقلبات للودائع الصينية والهندية بعيداً عن الأصول الدولارية، وإذا حدث ذلك فإن علينا أن نصدق أن صناديق التحوط الانتهازية في أميركا ستبادر كذلك إلى بيع السندات الأميركية قصيرة المدى.

2) على نحو لم يحدث من قبل قط في التاريخ الاقتصادي، فإن هرماً من الخيارات والبدائل يستقر الآن في موضعه. وعندما تكون السماء صافية فإن هذه الخيارات والبدائل تمكن المستثمرين من تقليل مخاطرهم بكفاءة عن طريق نشرها على نطاق كبير. غير أن الخيارات المتعددة تتاح كذلك لمن يرغبون في تبني المخاطر وزيادتها بدلاً من خفضها. ولا يمكن لأحد أن يعرف ما إذا كان هرم المشتقات هذا، لدى حدوث حالة ذعر مالية، سيحد من الاصطدام أم سيجعله يأخذ مداه الكامل.

وفي ضوء هذه العناصر المؤيدة والمعارضة العديدة الواردة أعلاه، فإن وصف القدماء للاقتصاد بأنه العلم الكئيب يمكن أن يكون أفضل منه وصف الاقتصاد بأنه العلم القلق.

خدمة «لوس أنجلوس تايمز» ـــ خاص لـ «البيان»