يوجد ثلاثة خيارات سياسية أمام الشعب الفلسطيني للخروج من الأزمة السياسية والمالية التي تهدد وحدة الشعب الفلسطيني وأمنه ومستقبله من جهة وتحقق الهدف الإسرائيلي الاستراتيجي الذي سعى وسيسعى له الإسرائيليون وهو إشعال حرب أهلية في فلسطين المحتلة من جهة أخرى.
الخيار الأول يتمثل باستمرار حكومة حماس في الحكم لمدة أربع سنوات على قاعدة أنها فازت في الانتخابات التشريعية وحصلت على أغلبية المقاعد في المجلس التشريعي الفلسطيني. ميزة هذا الخيار أنه يستند على أسس قانونية صحيحة لا يقبل الشك ويعزز من مصداقية المسيرة الديمقراطية في فلسطين لأنها كانت خيار الشعب الفلسطيني ومطلب دولي.
المشكلة في هذا الخيار الأمثل أنه غير واقعي في ظل الأوضاع والتطورات الداخلية والإقليمية والدولية.
في فلسطين ظهرت بعض الأطراف السياسية وتحديداً من تيار حركة فتح ترفض الهزيمة السياسية في الانتخابات التشريعية من منطلق أن انتصار حركة حماس جاء نتيجة لفشل حركة فتح في تنظيم كوادرها قبيل الانتخابات التشريعية. هذه الأطراف تعتقد أن حركة فتح مازالت تحظى بدعم أغلبية الشعب الفلسطيني وأنها هي الأقدر على قيادة الشعب الفلسطيني خاصة مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية.
وعملت هذه الأطراف على عرقلة المسيرة السياسية لحكومة حماس بوسائل متعددة وتشبثت باستمرار وتذرعت بالمطالب والشروط الدولية التي فرضت على حكومة حماس، الأمر الذي هدد وحدة الشعب الفلسطيني في الأراضي الفلسطينية المحتلة لاسيما بعد وقوع اشتباكات مسلحة بين عناصر من فتح وحماس في الضفة الغربية وقطاع غزة.
من جهة أخرى بدا واضحاً أن بعض العناصر في حركة حماس الذين ينقصهم الخبرة والحنكة السياسية تعاملوا مع التطورات السياسية في فلسطين والخارج بكثير من الإيديولوجية وقليل من البراغماتية الأمر الذي ساهم في توتير الأوضاع الأمنية في الشارع الفلسطيني وقاد إلى وقوع الاشتباكات المسلحة.
عربياً ساهم الموقف الرسمي للدول العربية الذي تمثل بالالتزام التام للحصار المالي الذي فرضته الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على الشعب الفلسطيني في إضعاف حكومة حماس وتقوية الأطراف الفلسطينية الأخرى وخاصة الرافضة لنتائج الانتخابات التشريعية بشكل مباشر وتقوية الموقف الإسرائيلي ضد الموقف الرسمي الفلسطيني بشكل غير مباشر.
هذا الموقف غير الحيادي واللامبرر عند غالبية الشعب الفلسطيني والشعوب العربية وهو بطبيعة الحال خضع لشروط وظروف اللعبة الإقليمية التي تشهدها المنطقة بأسرها من العراق مروراً بلبنان والحرب على الإرهاب وانتهاءً بفشل العملية السياسية أسقط خيار استمرار حركة حماس بمفردها في الحكم منذ الأيام الأولى بعد الانتخابات.
أما دولياً فالأمر كان جلياً وواضحاً وهو أن اللجنة الرباعية ، المؤلفة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتحدة ، وضعوا شروطاً قاسية للتعاطي مع الحكومة الفلسطينية وهي الاعتراف بإسرائيل وبجميع الاتفاقات السابقة التي وقعتها منظمة التحرير الفلسطينية مع إسرائيل وبنبذ العنف. إنها شروط لا يمكن لحكومة حماس القبول بها لأن ذلك يعني تخلي حركة حماس عن مبادئها وثوابتها دون مقابل يوازي هذه التنازلات الكبيرة.
الخيار الثاني جاء نتيجة لفشل الخيار الأول وتجسد في دعوة الرئيس محمود عباس بتشكيل حكومة وحدة وطنية ذات طابع إئتلافي تقبل بشروط التسوية السياسية وتقود إلى رفع الحصار المالي عن الشعب الفلسطيني.
وإذا تعذر تشكيل حكومة الوحدة وهو قد تعذر لهذا الوقت، يتم اللجوء إلى الخيار الثالث وهو الاحتكام إلى صناديق الاقتراع عبر انتخابات رئاسية وتشريعية معاً.
والخيار الثالث هو الأخطر على الوضع الفلسطيني الهش والممزق لأن حركة حماس ومعظم الفصائل الفلسطينية ترى في هذا الخيار غير الدستوري من وجهة نظرها أنه الوصفة الأسرع لاندلاع حرب أهلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وعلى هذا الأساس رفضت هذا الخيار جملة وتفصيلاً.
أما بالنسبة للرئيس عباس فهذا الخيار يمثل له أمران أساسيان هما: ممارسة الضغط على حركة حماس وقياديها في الداخل والخارج للمضي في المباحثات المتعثرة لتشكيل حكومة وحدة وطنية كخيار أفضل؛ أو المضي قدماً في خيار الانتخابات الشاملة بما لهذا الخيار من مخاطر على الأمن والاستقرار في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
في نفس الوقت وبالتوازي مع هذين الخيارين يحاول الرئيس عباس جس النبض وتحفيز الأطراف الإقليمية والدولية للتدخل ولعب دور الوساطة لإقناع قادة حركة حماس في تقديم التنازلات اللازمة لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية.
وفعلاً بدأت أطراف إقليمية لعب دور الوساطة بين الأطراف الفلسطينية كالدور الذي تلعبه منظمة المؤتمر الإسلامي والذي تجسد بزيارة قام بها أمينها العام إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة لتقريب وجهات النظر بين الرئيسين محمود عباس وإسماعيل هنية وعقبها زيارة لدمشق لمقابلة المسؤولين السوريين وقيادة حماس هناك. إضافة إلى الدور الذي يلعبه الأردن كطرف أساسي في المنطقة عبر الدعوة التي وجهت إلى الرئيسين عباس وهنية لاستئناف الحوار حول تشكيل حكومة الوحدة الوطنية.
جميع الأطراف الفلسطينية دون استثناء تدرك أكثر من أي وقت مضى أن خيار حكومة الوحدة الوطنية في ظل الظروف الداخلية والإقليمية والدولية أصبحت الأفضل للأسباب التالية:
1. إمكانية توصل الأطراف إلى أرضية مشتركة قائمة وممكنة.
2. رفع الحصار المالي إذا توفرت العناصر الأساسية دون الرضوخ لشروط الرباعية.
3. منع التدهور والاقتتال بين أبناء الشعب الواحد.
4. القدرة على ممارسة الضغط على الأوروبيين والولايات المتحدة لإعادة العملية السياسية إلى مسارها الحقيقي.
5. التركيز فلسطينياً على تطوير وتفعيل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية للعب دورها الطبيعي كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني.
إن الطريق لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية تتطلب جهوداً مكثفة من قبل الأطراف الفلسطينية والأطراف الأخرى لأن فيها الكثير من العقبات اللوجستية والموضوعية. ولكن يجب أن لا ننسى أن هناك أرضية قوية مشتركة بين الأطراف الفلسطينية تتجسد بوثيقة الوفاق الوطني التي يمكن استثمارها وبنودها الشاملة لحل جميع القضايا العالقة. والأهم في هذه المرحلة الحرجة أن يتعالى كل طرف فلسطيني على الطموحات الشخصية والحزبية الضيقة لأن المصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني هي الهدف في كل مرحلة من مراحل التحرر من ظلم وقهر الاحتلال الإسرائيلي.
كاتب وباحث سياسي
isam997@hotmail.com