في اول، وربما ليس آخر، تناقض مع اجواء القمة الفلسطينية - الاسرائيلية التي انعقدت يوم السبت الماضي اعطت حكومة ايهود اولمرت موافقتها النهائية على اقامة مستوطنة جديدة شمالي الضفة الغربية لينتقل اليها عدد من المستوطنين الذين اخلتهم حكومة ارئيل شارون من قطاع غزة ويبلغ تعداد المستوطنين الذين سيقيمون في المستوطنة المسماة »ما سكيوت« قرابة مائة عائلة.

وهذا التطور مؤشر على استمرار التوجهات الاستيطانية التوسعية وتعمق منهجها في السياسة التي تطبقها حكومة اولمرت خلافا لكل التصريحات والبيانات المنمقة التي تحاول التعبير عن مواقف اكثر ميلا للاعتدال والاقتراب من العملية السلمية.

ولو كانت الحكومة الاسرائيلية جادة فعلا في تصريحاتها خصوصا تلك التي اطلقها اولمرت وتعهد فيها بتقديم ما وصفه بتنازلات مؤلمة للفلسطينيين فان هذه المستوطنة الجديدة ما كان يجب اقامتها اصلا في الضفة الغربية.

فهل ضاقت الاراضي خلف الخط الاخضر وضمن اسرائيل عن استيعاب هذه العائلات علما بأن مساحات شاسعة مترامية الاطراف ما تزال خالية وتستوعب مئات الالاف داخل اسرائيل ام ان تلك الاراضي موجودة في الجيب ويتوجب التطلع الى اراضي الفلسطينيين وسلبها لاقامة المزيد من المستوطنات فوقها!

والخطير في هذه الظاهرة المتمثلة في انتقال مستوطني غزة السابقين الى الضفة الغربية هو انها تشجع النزعة الاستيطانية وتوفر لها الفرص لتنتعش بعد ان كادت تخمد في نفوس المستوطنين عقب اخلاء القطاع. كما ان مثل هذا التطور يجعل من الصعوبة بمكان تفكيك المستوطنات القائمة حاليا في الضفة او حتى البؤر الاستيطانية التي يفترض ان تكون قد ازيلت منذ عامين تنفيذا لما ورد في خطة خريطة الطريق التي نصت بوضوح على ازالة 110 بؤرة استيطانية اقيمت بعد 31 آذار 2001 اي بعد تولي حكومة شارون الاولى مقاليد الحكم في اسرائيل.

واذا كان يدور في اذهان المستوطنين ومن يناصرهم في الحكومة الاسرائيلية ان الفلسطينيين سيقبلون تسوية وهمية تتضمن الحفاظ على الكتل الاستيطانية الكبيرة في الضفة ونقل مستوطني قطاع غزة السابقين الى هذه الكتل او الى مستوطنات جديدة فان هذه التصورات ابعد ما تكون عن الحقيقة والواقع.

فقد اكدت السلطة الفلسطينية لا فرق في ذلك بين مؤسسة الرئاسة والهيئة الحكومية والتشريعية ان الحد الادنى المقبول للتسوية السلمية هو اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة في حدود العام 1967 خالية من المستوطنات والقواعد العسكرية الاسرائيلية وبالتالي فان اي تصرفات تتناقض مع هذا السقف المطلبي ستكون عوائق وعقبات في طريق الحل النهائي ومن الافضل عدم الاقدام عليها اذا كانت الحكومة الاسرائيلية معنية بالسلام العادل والمقبول على الفلسطينيين والمجتمع الدولي.

ان السؤال الذي يطرح نفسه بعد موافقة الحكومة الاسرائيلية على اقامة المستوطنة الجديدة والتي بدأت اعمال البناء بها قبل هذه الموافقة هو:

ما الذي يتعين على الفلسطينيين والعالم تصديقه اهو تصريحات اولمرت المليئة بالوعود والتعهدات »بتنازلات مؤلمة« للفلسطينيين ام توقيع حكومته بالموافقة على اقامة مستوطنة »ما سكيوت«؟ وهل تبددت اجواء التفاؤل التي سادت عقب القمة الفلسطينية - الاسرائيلية بهذه السرعة؟