الناظر إلى الحالة العراقية لا يستطيع إلا التوصل إلى أن حالة الفوضى التي يعيشها الشعب العراقي منذ ثلاث سنوات ستقود في نهاية المطاف إلى ظهور «مخَّلص» سيرجع عقارب الساعة إلى الوراء ويحكم بقبضة من حديد. فعقارب الساعة تلك، التي تحركت إلى الأمام يوم التاسع من أبريل من العام 2003 بسقوط نظام صدام حسين المستبد،
يبدو أن تلك العقارب تجمدت في مكانها أو هي أقرب إلى النكوص إلى حيث انطلقت في بادئ الأمر. فأحلام إقامة نظام تعددي ديمقراطي وفيدرالي آخذة بالتكسر على أرضية الواقع المقسمة طائفياً، وعلى حقيقة الجوار الإقليمي وتدخلاته، وعلى الاحتلال الأميركي وأخطائه الفادحة.
وقد بات المطلب الوحيد للإنسان العراقي هو الأمن والأمان لتتراجع تلك المطالب التي ناضل من أجلها خيرة أبناء هذا البلد لعقود طويلة والتي قدمت ألوف الشهداء قرابين لها. وما يدفعنا إلى القول أن العراق على شفا عودة «مخلص» على شاكلة المخلصين الذين لا يظهرون إلا في أوقات الشدائد والانقسام،
هو بعد القوى السياسية العراقية الفاعلة للوصول إلى أرضية مشتركة فيما بينها. فبناء عراق ديمقراطي يستلزم توافقاً بين أطرافه، وتلك الأطراف يفصلها الحاجز القومي وتطلعات البعض ـ وهم الأكراد ـ في تحقيق حلمهم ببناء دولتهم المستقلة انطلاقاً من مبدأ حرية تقرير المصير للشعوب الذي استقر عليه الفكر السياسي في القرن العشرين.
وتلك القوى يفصلها الاختلاف المذهبي الذي أدى إلى وجود طائفتين كبيرتين بين العرب العراقيين، ويعمق ذلك الخلاف التوزيع الجغرافي للطائفتين فضلاً عن قيادة الجماعات الدينية وسيطرتها على الشارع في كلا الجانبين، مما يزيد من حدة العداء الطائفي.
وحالة «العراك» هذه، المنطلقة من أسس قومية وطائفية يبدو أنها ستحول دون التوصل إلى توافق سياسي حقيقي على وضع أسس لنظام ديمقراطي فيدرالي يقتنع به الجميع ويكون الحد الأدنى الجامع لكل العراقيين. وإذا ما استمرت حالة «العراك» هذه ـ ولا شيء في الأفق يبشر بزوالها للأسف ـ
فإن ثمة احتمالين لتطور أوضاع العراق السياسية: الاحتمال الأول وهو تقسيم العراق إلى ثلاث دول إحداها كردية في الشمال، وأخرى سنية في الغرب وربما الوسط، وثالثة شيعية في الجنوب. وهذا الاحتمال له معطيات على أرض الواقع تؤيد حدوثه ومن ذلك التقسيم الفعلي القائم حالياً بين جنوب شيعي وغرب سني وشمال كردي،
وبين عمليات النزوح القومي والطائفي التي تأخذ مجراها في الواقع العراقي بين مدنه وبلداته بالذات أحياء بغداد، كما نشرت خرائطها جريدة التايمز اللندنية مؤخراً. بيد أن خيار التقسيم يلقى مقاومة من جيران العراق ليصبح احتمال تجسده على أرض الواقع على شكل ثلاث دول أمراً بعيد المنال على الأقل في المنظور القريب.
إذ تقف تركيا وسوريا وإيران بشدة أمام طموحات الأكراد في إنشاء دولة لهم في الشمال العراقي، ذلك أن قيام تلك الدولة يعني تحريك الأقلية الكردية في تلك الدول ومطالبتها بالانضمام إلى الدولة الكردية في شمال العراق أو إنشاء دول كردية مستقلة في البلدان الثلاثة،
كما حدث في الحرب العالمية الثانية بإنشاء دولة كردية في إيران. ومما يخيف هذه الدول أن هناك تواصلاً جغرافياً بين الأكراد في هذه الدول، إذ يحتل الأكراد، بما فيهم الأكراد العراقيون إقليماً واحداً، وهذا الإقليم يقع في أربع دول.
أما قيام دولة سنية في الغرب العراقي فيرفضه العرب لأن هذه الدولة ستكون شحيحة الموارد، فالنفط يقع في الشمال والجنوب، في حين أن قيام دولة شيعية في الجنوب، يخيف الجيران العرب بالذات من امتداد النفوذ الإيراني. وتحبذ إيران هذا الخيار، وتحاول قلب الطاولة في وجوه الأميركان في العراق وإثارة المشاكل لهم،
غير أن إيران ستواجه مرحلة عصيبة بعد قرار مجلس الأمن الأخير في فرض مقاطعة وحصار عليها. وهو بالمناسبة قرار اتخذ بالإجماع مما يشير إلى توافق بين الدول الكبرى، وهذا التوافق قد يشي بتوافقات أخرى ربما على رأسها حل المعضلة العراقية.
يبقى الاحتمال الأقوى هو اللجوء إلى الانقلاب العسكري بتعطيل العمل بالدستور وإلغاء المجلس الوطني وتقييد الحريات العامة وإبطال الأحزاب السياسية وتطبيق الأحكام العرفية. وقد يتم تشكيل طغمة عسكرية حاكمة مكونة من ثلاثة عسكريين مرموقين أحدهم من الشيعة والآخر من السنة والثالث من الأكراد، يحكم هؤلاء بشكل دوري، تساعدهم حكومة إنقاذ وطني من المجاميع الثلاث بشكل متساوٍ،
مما يشيع الشعور بأن الجميع على قدم المساواة. وبالطبع سيكون شعار هؤلاء ضبط الأمن وستطبق القوانين بشكل رادع وسريع أو على الطريقة العراقية أو العربية المعهودة!!ويمكن لهذه الطغمة العسكرية أن ترضي أطرافاً متعددة خاصة إذا اتفقت مع الأميركيين على جدولة انسحابها من العراق ونجحت في فرض الأمن، فهي سترضى الجيران خوفاً من عدوى الديمقراطية وخوفاً من تسرب العنف إلى دولها.
وهي أيضاً سترضي المرجعيات الدينية وخاصة هيئة العلماء المسلمين لأنها ستحفظ وحدة العراق وستساوي بين مواطنيه. وهي فوق هذا وذاك سترضى الشارع العراقي التواق إلى الأمن والطمأنينة، والذي لم تتح له حالة الفلتان الأمني بالتمتع بالديمقراطية وجني ثمارها.
وما ذهبنا إليه من تصور لمجريات الأمور وتطورها حال عدم التوصل إلى توافق سياسي تدعمه الكثير من المعطيات التاريخية لعل أبرزها ما آلت إليه الثورة الفرنسية التي وقعت في العام 1789 لتعيش عشر سنوات في حالة غليان وفوضى كان الشارع الباريسي بالذات هو الذي يوجه الساسة والقادة وليس العكس.
وفي هذه الثورة وقعت أحداث جسام وخاصة استشراء العنف واستخدام المقصلة، ليس مع مناوئيها فحسب، بل وحتى بين أبنائها، لذلك ظهر القول المشهور «ان الثورة تأكل أبنائها». تلك الفوضى التي عاشتها فرنسا لمدة عشرة أعوام وتوق الناس إلى العودة إلى الحياة الهادئة كانت الأرضية التي انطلق منها نابليون بونابرت للاستيلاء على السلطة في أواخر العام 1799
ولينشئ طغمة عسكرية من ثلاثة أشخاص ما لبث أن آلت إليه كل الأمور، ثم ليدخل فرنسا في أتون حروب شتى لمدة عقد ونصف، كان آخرها معركة واترلو التي خسرتها فرنسا وخسر بها نابليون سلطانه ليفسح المجال لعودة حكم أسرة البوربون مرة أخرى.
وإذا لم يتفق العراقيون على كلمة سواء فإن حكم الطغمة قادم لا ريب فيه، وكما أن نابليون لم يحل المشاكل التي أطلقتها الثورة الفرنسية، فإن هذه الطغمة لن تحل مشاكل العراق التي نجمت عن سقوط نظام صدام. وإذا كان الساسة العراقيون يرغبون في تجنيب شعبهم مزيدا من الآلام والويلات، فما عليهم إلا بشحذ هممهم للوصول إلى أرضية مشتركة تؤسس لعهد جديد.
كاتب كويتي
alyusefi@hotmail.com
