التوسع الإسرائيلي الاستيطاني كان ولا يزال، من الثوابت لجميع الحكومات الإسرائيلية. فقط وتيرته تتغير، هبوطاً وصعوداً، حسب الظروف. لكن حركته مستمرة لا تتوقف. حتى في زمن الاتفاقات وفي أعقابها، مع الجانب الفلسطيني. دائماً هناك ذريعة إسرائيلية لقضم الأرض الفلسطينية. ودائماً كانت واهية. مع ذلك وبالرغم من الاعتراضات والإدانات وحتى القرارات الدولية، تواصلت عملية النهب هذه.
آخر المسلسل ـ وليس أخيره ـ كان قرار حكومة أولمرت، أول من أمس، لبناء مستوطنة جديدة في الضفة. وكالعادة جاءت بعذر أقبح من ذنب. زعمت أن موافقتها هذه جاءت «تنفيذاً لوعد» كان وزير الدفاع السابق، موفاز، قد أعطاه لسكان إحدى المستوطنات التي تمّ إخلاؤها من غزة! وكأن الاستيطان الاحتلالي في القطاع كان حقاً مشروعاً اقتضى التعويض عليه بقطعة أرض فلسطينية، في مكان آخر من الأراضي المحتلة، بحيث صارت العملية أشبه بمن يخرج من الباب ليدخل من النافذة.
وليست هذه هي المرة الأولى أو الوحيدة التي تقرر فيها الحكومة ـ أية حكومة ـ الإسرائيلية بناء المزيد من البؤر الاستيطانية فور التوصل إلى اتفاقات مع السلطة الفلسطينية، التي كان رئيسها قد التقى أولمرت قبل ثلاثة أيام وجرى التفاهم بينهما على جملة أمور، وهي سياسة محسوبة وليست صدفة. من جهة تحرج السلطة ومن جهة ثانية تزيد في إرباك الساحة الفلسطينية وتأزيمها.
وبطبيعة الحال، لو كانت هذه الساحة محصّنة من الداخل بما فيه الكفاية؛ ما كان من السهل على إسرائيل ممارسة هذه اللعبة. ولا ربما الإمعان في التوسّع والاستيطان. في أسوأ الحالات كان بالإمكان وضع كوابح وازنة على عملية النهش الإسرائيلي الاستيطاني.
لقد صار من باب التكرار الممل القول إن إسرائيل المستفيد الأول والأخير من الخلل المتحكّم بالساحة الفلسطينية وخلافاتها؛ ناهيك بصراعاتها. وفي كل يوم يتجدد البرهان وتتأكد المفارقة الصارخة أن الوضع الفلسطيني ليس فقط مصراً على عدم مواجهة هذا الخلل بحيث تستقيم المعادلة؛ بل أيضاً هو مسربل بالممارسات والمقاربات التي لا تؤدي سوى إلى مفاقمته. بدلاً من أن يبني على الشيء مقتضاه؛ يبدو وكأنه يفعل العكس.
العلاقات بين الأطراف الفلسطينية المعنية هبطت وبوتيرة متسارعة من الخلاف المكبوت إلى التوتر المتزايد إلى حرب الاتهامات والتصفيات؛ وانتهت بالقطيعة. وما سعت إليه إسرائيل باستمرار تراه اليوم يتحقق لها من دون كلفة. بل هي توظف أجواءه لتمضي في سياساتها المعرقلة بل المخربة لأية إمكانية في التوصل إلى تسوية سلمية مع الجانب الفلسطيني. وبالتحديد لتمضي في ترجمة ثوابتها الأساسية التي يأتي التوسع الاستيطاني على رأسها.
إسرائيل تصرفت على الدوام، مع التوافقات والتفاهمات مع الفلسطينيين على أنها مطيّة أو إجازة مرور لاستكمال المزيد من حلقات مخططاتها الاستراتيجية والتي يشكل ابتلاع الأراضي محورها الأساسي. المجتمع الدولي يتواطأ معها والوضع الفلسطيني المعروف يسهّل ولو من غير قصد مهمتها. إلى متى تبقى هذه المعادلة مستمرة؟