مع نهاية عامنا الميلادي الحالي 2006، يجدر بنا أن نبحث عن جوهر تحولاته وأحداثه، وأي موضوع تستحقه في سجل التاريخ. ونجيب عن تساؤل: هل مضت أيامه من دون أن تترك بصماتها على واقعنا العربي، أم كانت حاضرة بقوة وستظل مؤثرة طيلة أيام العام المقبل؟
ولأي جانب رجحت كفة التحول: إلى الحالمين بنهوض عربي جديد، أم الواهمين بقدرة الإمبراطور الأخير على انتزاع الحلم من عيوننا، وإخضاعنا لسطوة المشروع الصهيوني المتحالف مع كهنة المحافظين الجدد؟ في سياق محاولة البحث عن إجابات لهذا السؤال، لن يجدي الوقوف فقط عند التفاصيل والصور المرئية من أحداث عام ينقضي،
بل المطلوب الغوص في ما وراء الظاهر، والسعي خلف الدوافع والاستراتيجيات التي تشكل حركة الراهن والحاضر، وصلتها بالماضي القريب والبعيد، فالمعروف والمستقر في وعي الآخر، رغم ذاكرتنا المثقوبة، ان تاريخ المنطقة العربية حلقات متصلة، يحكمها قانون الصراع بين إرادة قومية تكرس قوتها دفاعاً عن هويتها واستقلالها، وإرادة أجنبية تطمع في السيطرة والهيمنة على ثروات الأمة.
وخلافاً لتبسيط محدثي الليبرالية العرب من المتطوعين لخدمة المشروع الأميركي الامبراطوري، ومعه المشروع الصهيوني، فإن جوهر الصراع الجاري على أرض منطقتنا العربية ليس فقط بين قوى التخلف أو التطرف والتشدد، من جهة وقوى التحديث والعصرنة والاعتدال من جهة أخرى. بل في الأصل هو بين قوى التحرر وقوى الهيمنة والتبعية.
الحاصل أن منطقتنا منذ بداية الاستعمار الأوروبي الحديث، وهي تعيش صراعات متداخلة، بعضها رئيسي والآخر هامشي من نتائج الأول، فعندما احتل نابليون بونابرت مصر في نهاية القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر،
كان حريصاً على أن يغلف مشروعه الاستعماري بغلالة شفافة براقة من البرامج التحديثية والعلمية. على أنه أرسى قانوناً ظل بوصلة موجهة لمن خلفه من غزاة غربيين، خلاصته: المطبعة والمستشرق كتيبة متقدمة تمهد الأرض للجنرال.
تجلى تأثير قانون بونابرت في ظهور سلالة من العملاء تعمل في خدمة المحتل، وهي تتخفى بشعارات العصرنة والتحديث والليبرالية، وكان المعلم يعقوب هو الأب الروحي لهم حتى يومنا هذا. والآن، تتشكل صور حديثة مماثلة لما عاشته مصر وبقية الأقطار العربية في بدايات عصر الاستعمار الأوروبي،
حيث يحتدم الصراع بين خيارين: الأول يتمثل في نهج المقاومة وبناء الذات القومية المستقلة، وتعزيز القدرات، واعلاء قيم الانتماء للعروبة والإسلام، من دون انغلاق عن العالم، بل انفتاح عبر المضمون الإنساني الراقي لحضارتنا.
والثاني ينحصر في إطار التبعية للآخر، الرهان على حرية وديمقراطية وتنمية تأتي على ظهور دباباته، أو في حقائب بعثاته الدبلوماسية ومبشريه بشرق أوسط جديد، يولد عبر مخاض حروب مدمرة. أو من خلال استثمارات بالدم والدولار بالطريقة التي تحدثت بها وزيرة الخارجية الأميركية عن احتلال العراق.في هذا السياق التاريخي سجل لنا العام المتسرع في رحيله انجازين لن يمرا مرور سحابات الصيف، بل سيظل تأثيرهما قوياً وممتداً لأعوام مقبلة.
الأول: الانكسار الاسرائيلي العسكري والفشل المزري لجيش الاحتلال في الحرب على لبنان في يوليو الماضي. ويرتبط به، سقوط كل الرهانات الإسرائيلية على اخضاع الشعب الفلسطيني لسياسة الإملاء، وتحويله إلى مجرد متلقٍ خانع وليس شريكاً وطرفاً فاعلاً في صنع الحرب أو السلام.
والثاني: إقرار الإدارة الأميركية علنا بفشلها في العراق، بعد اقتراب عدد قتلاها من 3 آلاف جندي وضابط. وانكشاف كل أكاذيب وفضائح الغزو، لدرجة أظهرت صحة أن تلك الحرب شنت من أجل إسرائيل. وإن جاءت نتائجها المباشرة والسريعة «ورطة» حقيقية لواشنطن وتهدد بفوضى أمنية إقليمية.
في مسألة هزيمة إسرائيل في لبنان، ورغم لغط كثير من الليبراليين العرب أحفاد المعلم يعقوب، الذين ينكرون وقوع مثل هذه الهزيمة فإن المحافل الإعلامية والسياسية والأمنية الإسرائيلية تقر بوقوع فشل فظيع، أطاح بقيادات عسكرية، واسقط الهالة عن أسلحة كانت إسرائيل تتباهى بتفوقها، وقد يطيح في الآجل برؤوس وقيادات سياسية.