منذ القدم يحلم الإنسان بمدينة فاضلة في كل الجوانب، وقام الفلاسفة والمفكرون بتصور تلك المدينة الفاضلة تفصيليا، وقد اختلف هذا التصور من مفكر إلى آخر، وهذا ما نلاحظه من عصر اليونان الذي تصور فيه أفلاطون (430 ـ 348ق.م) مدينة فاضلة في كتابه (محاورة الجمهورية)،

ثم في العصر الإسلامي مع أبي نصر الفارابي (260 ـ 339ه) وكتابه «المدينة الفاضلة»، إلى زمن السيد توماس مور (1478 ـ 1535م) وكتابه (يوتوبيا)، وصولاً إلى أميرسن (1803 ـ 1882م) في أرض الفاكهة، إلى غير ذلك من المحاولات التي حلم فيها المفكرون بمدينة فاضلة.

ان المدينة الفاضلة تغنى بها الشعراء، وهي أمل من آمال المفكرين، بل الشعوب والأمم، وهي أيضا أيضاً التي دعا إلى تكوينها وعمل على تحقيقها الأنبياء.وإذا كانت المدينة الفاضلة عند المفكرين والشعراء خيالية، فإننا نرجو في هذه المجموعة من المقالات ان نقدم تصوراً أقرب إلى الواقع، تصوراً ممكن التنفيذ في ضوء ظروف العصر الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وفي ضوء أحوال الناس وهمومهم.

وسوف تكون البداية بمقال نظري يلقي الضوء على أهم المحاولات السابقة بلغة قريبة إلى إفهام القراء العاديين من غير المتخصصين، ثم في المقالات القادمة سوف نوضح معالم المدينة الفاضلة التي يمكن ان نحققها على أرض الواقع في كل النواحي الفردية والخدمية والتعليمية والقانونية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية.. الخ

كما سوف نعمل على بيان خصائص المدن الفاسدة، فكما يقولون: بضدها تتميز الأشياء، وكل هذا بهدف واحد فقط هو المشاركة الفعالة بالفكر في عملية الإصلاح التي بدأها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة «حفظه الله» وسائر حكام الإمارات،

من أجل تطوير الحياة السياسية في الأمة الاتحادية، عن طريق العمل على تفعيل المشاركة الشعبية وتوسيع نطاق مشاركة أصحاب الفكر الحر فنحن مع سموه على طريق الإصلاح والتغيير وإعادة البناء من أجل مستقبل أفضل للجميع، ومن أجل التقدم والحرية والرفاهية الشاملة.

ان أقدم فيلسوف كتب عن المدينة الفاضلة هو أفلاطون في «محاورة الجمهورية»، لكن أفكاره لا تتفق مع الأديان السماوية، بل تعارض بعضها معظم الأسس الاجتماعية التي يؤمن بها الإنسان المتمدن، مثل أفكاره عن اشتراكية النساء والأولاد والأموال، وهذا ما يعارض ضمير الإنسان الحر،

لما فيه من معارضة لمفهوم الأسرة ومعارضة للملكية الخاصة التي تعتبر غريزة إنسانية. يقول أفلاطون وهو مخطئ تماماً في هذا الصدد: «ان طبقة الحكام لا تملك عقاراً خاصاً، ولا يكون لأحدهم مال أو مخزن، ولا يكون للحكام زوجات لأنهم يجب ان يتحرروا من الأنانية، ويجب ان تكون النساء بلا استثناء أزواجاً مشاعاً فلا يعرف والد ولده!!

ونظراً لهذه الأفكار المخالفة للفطرة الإنسانية فقد فشل التصور الذي قدمه أفلاطون عن المدينة التي ظنها فاضلة، وانطفأت الفكرة تقريباً حتى جاء «الفارابي» في القرن العاشر الميلادي، فبعثها من لحدها وقدمها لنا في «المدينة الفاضلة» فأعطانا صورة صحيحة للفكرة السياسية في «المدينة الفاضلة»

وأعاد إلى أسماعنا بعض أقوال أفلاطون مع ترك الأفكار الخاطئة عنده، بالإضافة إلى تقديم أفكار إسلامية أصيلة، ولكن بأسلوب جديد بعيد عما ينافى فكرة الأديان السماوية، ولم يذكر صاحب «الجمهورية» وأفكاره المتطرفة لا بخير ولا بشر، وهذه أيضا حكمة بالغة سلك طريقها الفيلسوف العربي،

فأعطانا فكرة صافية نقية بعيدة عما يسيء إلى أفكارنا وابصارنا، ومع ذلك جاءت «المدينة الفاضلة» مدينة مثالية من الصعب ان يوجد مثلها على هذه الأرض، ولو وجدت لانقلبت الأرض فردوساً والناس ملائكة أطهاراً، فمدينة أبي نصر الفاضلة، ظلت صعبة التنفيذ حتى يومنا هذا، مثل مدن توساس موروكامبانيلا واميرس وبيكون وغيرهم.

ومع ان المدينة الفارابية الفاضلة صعبة التنفيذ، فإنها ليست مغرقة في الخيال مثل محاولات الفلاسفة الآخرين، فليست تقع المدينة الفاضلة عنده في عالم آخر أو في جزر استوائية نائية، إنها رغم مثاليتها مدينة ممكنة، إنها بحسب تلخيص «د. ألبيو نصري نادرا»، لفكرة الفارابي: لا يستطيع ان يبقى وان يبلغ أفضل كمالاته إلا في المجتمع.

والمجتمعات البشرية منها ما هو كامل، ومنها ما هو غير كامل فالكامل منها ثلاثة: العظمى وهي المعمورة والوسطى وهي الأمة، والصغرى وهي المدينة وغير الكاملة هي: القرية والمحلة والسكة والمنزل، أما المدينة الفاضلة، فشبيهه بالجسم الكامل التام، الذي تتعاون أعضاؤه لتحقيق الحياة والمحافظة عليها، وكما ان مختلف أجزاء الجسم الواحد مرتب بعضها البعض، وتخضع لرئيس واحد، هو القلب،

كذلك يجب ان تكون الحال في المدينة. وكما ان القلب هو أول ما يتكون في الجسم، ومن ثم تتكون بقية الأعضاء فيديرها القلب، كذلك رئيس المدينة. والرئيس هو إنسان تحققت فيه الإنسانية على أكملها فالرئاسة تكون بشيئين: أحدهما ان يكون بالفطرة والطبع معداً لها، والثاني بالهيئة والملكة.

وفي مقابل المدينة الفاضلة توجد مدن أخرى غير فاضلة، مثل المدينة الجاهلة (التي لم يعرف أهلها السعادة)، والمدينة الفاسقة (وهي التي تعلم كل ما يعلمه أهل المدينة الفاضلة، ولكن تكون أفعالها أفعال أهل المدن الجاهلة)، والمدينة المتبدلة (وهي التي تكون آراؤها في القديم آراء أهل المدينة الفاضلة وأفعالها، غير أنها تبدلت)، وأخيراً المدينة الضالة (وهي التي تظن السعادة ولكنها غير هذه).

ومن المتأخرين الذين كتبوا عن المدينة الفاضلة «توماس مور» الانجليزي في القرن السادس عشر الذي تصور مدينة خيالية تشبه «المدينة الفاضلة». وتبعه الفيلسوف الايطالي «كامبانيلا» في «مدينة الشمس»، وكلهم بحثوا شرائط الحياة المثلى، وقربوا حياة الدول والأمم والافراد من السعادة الحقيقية واعتقدوا ان في وسع الإنسان التوصل إلى هذه السعادة إذا أصلحت الدول شرائحها، وبثت قوانينها على الاخوة والعدالة والمساواة.

تلك بعض الأمثلة عن محاولات المفكرين والفلاسفة الذين تصوروا «المدينة الفاضلة»، ومن أسف باءت كل تلك المحاولات بالفشل على أرض الواقع، تارة بسبب ما في هذه المحاولات من أفكار غير واقعية، وتارة أخرى بسبب ما في بعضها من مبادئ تخالف الفطرة الإنسانية ومبادئ الأديان لاسيما عند أفلاطون، وتارة ثالثة بسبب تحالف قوى الفساد في كثير من العصور ضد أية محاولات للإصلاح.

لكن السؤال الآن: هل يمكن في عصرنا أن نتخيل المدينة الفاضلة بطريقة واقعية ممكنة التنفيذ؟هذا ما سوف نسعى للإجابة عنه في المقالات التالية على هدى عملية الإصلاح التي بدأتها الدولة الاتحادية، وكنوع من المواكبة للتقدم الحادث في الحياة الإماراتية بعد تكوين المجلس الوطني الجديد الذي جاء نصفه بانتخابات حرة نزيهة، والله من وراء القصد.

جامعة الإمارات

razak-doc@hotmail.com