يعرف عمرو موسى، وهو صاحب التجربة العريضة والعارف بآلية صنع (أو استصدار) القرار «العربي» أن مبادرته «اللبنانية» ما كان ممكناً، ولن يكون ممكناً أو مقدراً لها النجاح، إلا إذا صارت «عربية»، بمعنى أن تعتمدها وتتبناها وتطلقها «الدول» ذات الحظوة من أعضاء «الجامعة» التي عطلها أهلها متخلين عن «القرار» في الجوهري من شؤونهم لصاحب القرار الكوني، مكتفين بطلب السلامة ودوام النعمة عليهم في مواقعهم... وكفى الله المؤمنين شر القتال!

ولقد لمس الأمين العام للجامعة العربية، مباشرة، أن الأمر لا يتصل بكفاءته أو بقدرته الشخصية على إقناع «المتخاصمين» بحيدته، أو بابتداعه الحلول الوسط، والصيغ حمّالة الأوجه لتفادي إظهار أي طرف وكأنه قد تنازل أو فرّط أو تجاوز فاصطدم بالمحظور.

الأمر غير ذلك تماماً.. وإذا شئنا الدقة والاختصار معاً لجاز القول، ببساطة وبلا دبلوماسية: إن «كلمة السر» لم تصل بعد، ولا يبدو أنها ستصل عما قريب، وتحديداً قبل أن تنفتح الطريق المقفلة ـ وحتى إشعار آخر ـ بين الرياض ودمشق، ومعها الطريق التي ما تزال مليئة بالمطبات بين القاهرة ودمشق... هذا إذا نحن أغفلنا ذكر الرسائل التحريضية المتواصلة التي تطلقها الإدارة الأميركية، على مدار الساعة، بلسان رئيسها شخصياً وأركانها جميعاً، والتي وصلت إلى حد «المفاخرة» بصمود رئيس الحكومة (اللبنانية) في وجه المعارضين الذين لم يغادروا الهامش الديموقراطي للتحرك، ولا هم يطمحون إلى إسقاط النظام، تمهيداً للهجوم الكاسح الماسح على المصالح الأميركية... بسلاح الاعتصام الأبيض.

ولعل بين ما يكشف «واقع الحال» أنه ما إن غادر عمرو موسى بيروت، ممروراً، حتى رفع بعض أقطاب السلطة سقوف رفضهم لأية تسوية إلى أعلى مدى، منتقلين من التنديد بسياسة النظام السوري ازاء لبنان إلى إطلاق الدعوة إلى «قتله» وليس إسقاطه فحسب، وذلك عبر استعادة «تاريخية» لأعمال ثأرية منسية في مجال تحريض اللبنانيين، كلهم، أساساً، ومن ثم السوريين عموماً على التخلص من الرئيس السوري بشار الأسد.

ومع أن اللبنانيين (وسائر العرب) قد تعوّدوا من زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط اندفاعات جامحة وهجمات حادة وإطلاق الأوصاف والنعوت التشهيرية بغزارة، وتوجيه اتهامات قاسية، ثم التراجع عن كلها أو جلها، وأحياناً الاعتذار عن خروجه عن طوره، فإنهم لم يفهموا السبب المباشر الذي دفعه إلى إطلاق مثل هذا الخطاب الدموي في مناسبة حزينة تتصل بتشييع مناضل عتيق يكن له الود كل من زار دار المختارة. هذا في اليوم الأول بعد مغادرة عمرو موسى و«مبادرته» بيروت..

أما في اليوم الثاني فقد حدثت واقعة أمرّ وأدهى وأكثر إثارة للاستغراب والقلق، إذ أن رئيس الحكومة استذكر، فجأة وبلا مناسبة «تهديداً» قديماً ومرتجلاً صدر عن بعض المعارضين في خطاب حماسي، جاء فيه تلويح بإمكان تعطيل المرافق العامة، وبينها المرفأ والمطار... وفي مجال رد التحية بأحسن منها فإن رئيس الحكومة، الذي جاء إلى السياسة من عالم المصارف ودورة أعمالها السرية، قال ما يفيد بأنه لا يضمن إذا ما أقفل بعض أنصار المعارضة الطريق إلى مطار رفيق الحريري الدولي، ألا يقوم أنصار السلطة بقطع الطريق بين بيروت والجنوب في منطقة الناعمة!!

وما كان التلويح المستهجن بقطع طريق الجنوب ليصدر عن رئيس الحكومة لو أن طريق الرياض ـ دمشق «سالكة وآمنة»، بحسب التعبيرات اللبنانية الموروثة من زمن «الحرب الأهلية الأولى»، في أواسط السبعينيات... ولو أن «جرافات» القاهرة تعمل على ترميم تلك الطريق وإعادة وصل ما انقطع بين العاصمتين المتخاصمتين، كما تشهد الوقائع الميدانية من تظاهرات وعرائض وخطب واحتفالات على مدار الساعة في مختلف أنحاء لبنان رداً على الاعتصام المفتوح في قلب بيروت: ساحتي الشهداء ورياض الصلح.

عمرو موسى الآن في القاهرة، لا يعرف كيف يوزع اهتماماته بين الصومال الذي اشتعلت فيه حرب إقليمية جديدة بالهجوم العسكري الأثيوبي على جماعة «المحاكم الإسلامية» الذين حاولوا الاستيلاء على السلطة فيه بمساندة جدية بعضها معروف المصدر، وبعضها الآخر «مستتر».

والسودان الذي كابر الحكم فيه فرفض بداية تدخل الأمم المتحدة بقوات لوقف الحرب المدبرة في دارفور، وكان عليه أن يصدع لأمر أصحاب الأمر، بعدما تهددت وحدة الدولة جدياً بخطر تشققات علنية في الأقاليم الأخرى، تستوي في ذلك المناطق الغنية بالنفط أو المناطق الغنية بفقرائها والمعدمين في أخصب أرض الله، البلاد ذات النيلين..

والسلطة الفلسطينية التي تشققت وكادت تنهار، لولا التدخل الإسرائيلي بالانحياز العلني إلى «رئيسها» «ضد حكومتها»، والتي تطوّع الملك الأردني لأن يحاول ترميمها، وهو الذي كان يرفض حتى زمن قصير استقبال رئيس حكومتها أو وزير خارجيتها أو أي لقاء مع جماعة «حماس» الذين فازوا ـ ديموقراطياً ـ في انتخابات المجلس التشريعي.. لكن «صاحب القرار» واحد، كما يعرف عمرو موسى يقيناً..

ومن لم يسمح له بالنجاح بصفته الأمين العام لجامعة الدول العربية، لن يسمح له بالنجاح في أي «جبهة» مشتعلة أخرى لم «ينضح» الحل لمعضلتها بعد، نتيجة غياب التفاهم حول تقاسم المصالح، بما يرضي «صاحب» القرار وهو هو هنا وهناك وهنالك..

وعمرو موسى ينتظر، مثلنا، الآن، أن ينضح هذا القرار... الميمون!

طلال سلمان