نهر جديد من الدماء يجري في الصومال، وحين يتقاتل الفقراء بالداخل تقفز المحاكم الشرعية للواجهة مجتاحة بإعصارها معظم مدن الصومال، ومحاصرة الحكومة المركزية لإسقاطها، غير أن الأرض العربية التي أصبحت مباحة للغزو والتدخل، والحروب التي تنوعت من خلال مليشيات دينية، وقومية ومن خلال صعود التيارات الإسلامية المتطرفة، دخلت إثيوبيا على الخط الصومالي، لأنها لا تريد جواراً يشبه طالبان وفقهاء القاعدة، وحرباً مجاورة قد تسلبها استقرارها.

ومع أن أحداً لا يعرف كيف وصلت قوة المحاكم، ولا من يدعمها أو يطرح لها اتجاهاتها السياسية والدينية، وما يقال عن إعانات أريترية تصلها من خلال قوى خارجية نكاية بالعداء المتجذر مع أثيوبيا، فإن الحرب التي تجري، ربما جاءت بإذن مفتوح من دول كبرى، لأن إثيوبيا الفقيرة، وذات التسليح البدائي الذي بقي من مخلفات الاتحاد السوفيتي للحزب الشيوعي، قد تستقوي على المحاكم، وخاصة بسلاح الطيران، إلا أن الأهداف ربما تتضح بعد نهايات الغزو، إن نجح...

هناك صمت عام عربي، وإسلامي ودولي، ربما جاء بسبب عدم اتضاح الحقيقة، فلا الذين يرون المشهد للمحاكم يريدون تأييدها، ولا الذين يرون الغزو الإثيوبي، يقبلون بسوابق اجتياح أرض عربية، لكن إمكانات أثيوبيا في كلفة حرب قد تتحول إلى عصابات طويلة تستطيع الصمود أمام مشاعر وطنية ترفض الاحتلال. أم أن الوعود بالدعم الخارجي الذي يرى بميليشيات المحاكم تكراراً جديداً لنمو قوى إسلامية قادرة على استنساخ أفغانستان هو الرعب الدولي بعينه؟..

الصومال معزول عن العالم تطاحن، وتقاتل، وهجّر الملايين لضحايا الحروب، لكنه الآن يقف في مفترق طرق، أي أن العالم الذي طالما ترك المعارك تفرز من له القدرة على الحكم، هو الذي جاء بمليشيات المحاكم، وهنا خلق طالبان أخرى..

الأسئلة كثيرة، فهل المقدمات التي قامت بها إثيوبيا، تعني تدخلاً دولياً أسوة بما يجري بالكثير من مناطق التوتر العالمي مثل صربيا، والسودان والعراق وغيرها؟ أم أن النظرة تتجه إلى أن الصراع الإقليمي في القرن الأفريقي، تاريخي، ومن الخطأ الدخول في مستنقعه وتكرار ما يجري الآن في العراق وأفغانستان؟..

من منظور آخر، لماذا الوطن العربي وحده ساحات الحروب الحديثة، هل أصبحنا جمهوريات موز جديدة، لا صلة لأهلها بما يجري أو بين متفرج، ومتطوع لدور خارجي، ومتآمر وباحث عن سلطة من خلال طائفة أو فئة، أو قبيلة، يرسم لنا سيناريوهات القضاء على هوياتنا وتحديد مواقع الحرب علينا؟..

الحيرة هائلة، ومن لا يقيس الأمور يغرق بالدماء..