مظاهر الحالة العلمية والثقافية العربية المعاصرة.لقد كتب كثيراً عن تخلفنا العلمي والثقافي المعاصر، وجرت محاولات للمقارنة بين الحالة العلمية والثقافية لدينا ولدى الآخرين مثل: الغرب واليابان وحتى إسرائيل، وقمنا بعملية جلد الذات حتى النخاع وكسر العظم.

ولكن لم نقم بنقد الأوضاع بموضوعية إلا ما ندر لتشخيص الداء لأنه كما يبدو من خلال الأزمة القائمة أن النقد نفسه يحتاج إلى نقد، وأن من ينتقد يعاني من مشكلات عديدة، ونحتاج أن نقف عند بعض مظاهر الحالة العلمية والثقافية في العالم العربي بصورة عامة لأن هذه الإشكالية ومعالجتها لا يمكن أن تغطيها مقالة كهذه.

أولاً: تعيش الحالة العلمية والثقافية العربية أزمة الاجترار والتكرار:

فنجد كتابات وبحوثاً تعاد كتابتها بصياغة أخرى، وأحياناً يحدث تشويهاً لأصولها، ويمكن على سبيل المثال الرجوع لأطروحات الماجستير والدكتوراه في جامعاتنا العربية لمعرفة حجم التكرار والاجترار فيها، ويمكن الرجوع إلى الشعر الغنائي المعاصر لمعرفة تكرار معظمه تأليفاً وتلحيناً، ويمكن استعراض الدوريات الثقافية والعلمية للتعرف على حجم ونوع المقالات المكررة والتي لا تقدم أو تضيف جديداً.

ثانياً: السرقات والتلاعب العلمي والثقافي:

لقد استشرت هذه الظاهرة في جامعاتنا ومؤسساتنا الثقافية فكم حالة لسرقات علمية تم اكتشافها، بعضها تم التحقيق فيها وبعضها حبيسة الأدراج وأصحابها يصولون ويجولون، ويحصلون على الترقيات والمناصب لأنهم يحصلون على الحماية من المؤسسات والقائمين عليها.

إن الأمر قد وصل حد الحصول على الدكتوراه بدون جهد بل بالأموال واستئجار باحثين متمرسين لإعداد الأطروحات، وفجأة تجد أناساً ينشرون أسماءهم ويسبقها حرف د. وهذه الظاهرة نجدها أكثر من غيرها في الدول الخليجية، وتجد ضعف وهشاشة مستوى هؤلاء علمياً وثقافياً بعد حصولهم على تلك الدرجات العلمية، ويكشف ضعفهم طلبتهم في كثير من الأحيان.

ثالثاً: الترجمة وإدعاء التأليف

هناك من الأكاديميين والباحثين المحترفين في مجال الترجمة والفبركة، نحن لا نتكلم عن الذين لا يعرفون لغة أجنبية ويستعينون بالمترجمين ويوضحون ذلك في كتاباتهم، إنما أولئك الذين توضع أسماؤهم على ترجمات مثلاً من الإنجليزية إلى العربية أو من العربية إلى الإنجليزية.

وهم لا يعرفون اللغة الإنجليزية أو لا يجيدون الكتابة فيها أو الترجمة عنها، ويلجأ البعض من هؤلاء إلى نقل كتاب مترجم مع تغيير في الصياغة والعناوين ويدعي ترجمته والتبرير أن أكثر من ترجمة واحدة للكتاب جائزة! والأدهى من ذلك أن البعض يقوم بالترجمة هو أو من يساعده في لغة أجنبية وإدعاء تأليف العمل وهو مترجم ويكتب عليه تأليف فلان! على أساس أن معظم قراء العربية لا يعرفون اللغة الأجنبية.

رابعاً: تأجير كتاب وباحثين

هناك ظاهرة جديدة في إعداد البحوث والمقالات الثقافية في العالم العربي، وهي ظهور كتابات في دوريات وبحوث لم يكتبها أصحابها الذين وضعت أسماؤهم عليها بل هناك محترفون في الكتابة العلمية والثقافية وراء الستار أعدوا تلك الكتابات من ألفها إلى يائها، إما يعملون في تلك المؤسسات التي يديرها من جير كتاباتهم لصالحه أو مقابل أموال أو تسهيلات أخرى.

لقد أصبح لدينا كتّاب ومؤلفون وأدباء وباحثون وهم لا يستطيعون كتابة صفحة واحدة من المقالات التي نشرت بأسمائهم، وقد نبالغ إذا قلنا إن بعضهم قد يرسب عندما يمتحن مرة أخرى علمياً بأطروحته أو بحوثه، ستقوم قيامة هؤلاء ويقول المثل الشعبي «اللي على راسه بطحة يحسسها»، ولما كانت منطقة الخليج العربي قد حباها الله بهذه الخيرات في هذه المرحلة التاريخية فإن مثل هذه الظاهرة متفشية في هذه المجتمعات، كنا ولا نزال نريد الثروة نعمة للتنمية والتقدم وليس للتخريب وتدمير العلم والثقافة.

هذا الانحراف إلى أين، المال عامل مهم في هذه الانحرافات ولكنه ليس الوحيد، فهناك المناخ العام الذي يسمح بمثل تلك الانزلاقات، المشكلة أنها تحدث في مجال العلم والثقافة أخطر مجالين يشكلان عقول الأمة ويقف عليها تقدم أو تأخر المجتمع، يضاف إلى ذلك غياب النقد، إن النقد لدينا مجامل إلى حد بعيد فيتحدث عن الايجابيات .

ويضخمها، أو أحياناً يلجأ إلى التجريح وعدم الموضوعية، ونعتقد لو كان لدينا نقد موضوعي وشجاع لما استشرت مثل تلك الظواهر، خذ مثلاً دورية يكتب فيها المسؤول عنها مقالاً باستمرار ويتغير المسؤولون بين فترة وأخرى لكن يبقى المقال، أسلوباً وأفكاراً ومنهجاً ولغة، نفسه فماذا يعني هذا؟!

نفهم أن بعض المسؤولين يحتاجون إلى من يصيغ لهم خطاباتهم وكلماتهم لأنهم ليسوا متخصصين في مجالات عديدة لكن أن يكتب بحثاً أو مقالاً ويستمر ذلك ليصبح فلاناً كاتباً أو عالماً أو مثقفاً فهذه كارثة على العلم والثقافة وعلى المجتمع وتقدمه. الآن هناك قانون الملكية الفكرية ويفترض أنه يحد من تلك الظواهر وبخاصة السرقات بيد أن طبيعة المجاملة ومقولة إذا بليتم فاستتروا تحولان دون تطبيق ذلك، أيضاً هناك وسائل عديدة للتحايل على الملكية الفكرية.

ولدينا من القانونيين من هم محترفون تحويل الحق إلى باطل والباطل إلى حق وقلب الحقائق وربما يتحول الناقد أو صاحب الحق إلى متهم لأنه جرح بالآخرين ودخل باب القذف بحق غيره!

إن التبريرات لمثل تلك الأعمال جاهزة ويساعدها أحياناً العرف الاجتماعي، فيقال مثلاً بأن ما قيل عنه سرقة علمية أو ثقافية هو اقتباس والاقتباس جائز في الكتابة العلمية والثقافية! لكن أيها السادة، أين الإشارة للعمل الأصلي وحق صاحب الفكرة أو النص المقتبس؟ ثم هل يجوز اقتباس نصوص تشكل ثلاث أرباع العمل المتهم بالتلاعب العلمي أو الثقافي وربما كل ذلك العمل؟!

ويذهب البعض إلى أن ما كتبه هو توارد أفكار مع كتابات سابقة وليس نقلاً عنها أو سرقة لها! كيف يكون ذلك توارداً للأفكار بسرقة النص أو الفكرة كاملة؟! ما نعرفه عن سرقة السلطة وسرقة المال لكن الأكثر خطورة هو سرقة العلم والثقافة، ولولا الحذر من دخول دائرة المحظور قانوناً لذكرنا أمثلة صارخة من الواقع على تلك الممارسات، لكن نحن مطمئنون إلى أمر أساسي وهو لا يصح إلا الصحيح.

وأن مثل تلك الممارسات سيكتشفها الباحثون والمثقفون الحقيقيون في المستقبل بدون شك، لكن المشكلة تكمن في مدى الضرر على العلم والثقافة والعلماء والمثقفين الحقيقيين وعلى المجتمع وتقدمه من استمرار مثل تلك الظواهر حتى اكتشافها والحد منها ومحاربة ومحاسبة أصحابها وربما يكونون قد غادروا هذه الدنيا وتركوا آثاراً مدمرة بعدهم.

تشهد مجتمعاتنا المعاصرة الاستنساخ العلمي والثقافي الخطير دون أن يتحرك أحد لوقفه وكشف أخطاره، ونحتاج إلى النقد الواعي وإلى نقد النقد وإلى التقليل من المجاملة، وإلى إدراك خطورة هذا العبث الذي يجري في مؤسساتنا العلمية والثقافية.

كاتب كويتي