على الرغم من أن الصحراء تشكل 75% من مساحة دولة الإمارات العربية المتحدة وأن أبناء الإمارات نشأوا تاريخياً في هذه الصحراء وعاشوا حياة البداوة في رحابها، وتكيفوا مع جفافها وصعوبتها وقلة مواردها على مدى أجيال طويلة.. إلا أن الصحراء مع ذلك كله.. كانت ولا تزال مبعث اعتزاز الآباء والأجداد، والأحفاد من الأجيال الجديدة.

وتشكل البيئة الصحراوية جزءا هاماً من حياتنا الاجتماعية، وموردا رئيسيا من الموارد الاقتصادية بآبارها وواحاتها وإبلها ونخيلها، ومؤثرا هاما على الممارسات والتشكيلات السياسية، وملمحا أساسيا في تراثنا وعاداتنا وتقاليدنا، ومصدر إلهام لشعبنا، ومكونا هاما من مكونات تاريخنا.

.. ولذلك فلقد تعايشت هذه الأجيال مع البيئة الصحراوية، وخبرت دروبها وسهولها وجبالها ووديانها وواحاتها وينابيع المياه فيها. مع ذلك كان حلم زيادة الواحات في قلب الصحراء يراود الأجداد والآباء لكنه بدا أمامهم بعيد المنال خصوصاً مع ندرة المياه وندرة المال..

ولأن هذا الشعب كان قانعاً راضياً بما قسمه الله له من رزق، وتسلح بالصبر والإيمان.. فقد من الله عليه بنعمتين غاليتين قادتا إلى نعمة أكبر، فقد وهبت السماء أولاً لهذا الشعب قيادة مؤمنة وحكيمة ساعية لخير شعبها ممثلة بالمغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في السادس من أغسطس عام 1966م، ومع توليه مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي في ذلك اليوم، توالت تباشير الخير ليس على أبوظبي وحدها بل على كل الإمارات.

جاء زايد وجاء معه الخير فكان تغيير وإصحاح البيئة الصحراوية هي المدخل لتحسين حياة المواطن الإنسان، وإعمار الصحراء هو أبرز شواغله.. ولما كانت ثروة النفط هي هبة السماء الثانية لهذا الشعب، فلقد وضع زايد الخير المال في خدمة الإنسان قائلاً: «لا خير في مال بلا رجال» ووظف هذه الثروة لتحويل حلم الآباء والأجداد إلى واقع يبعث على الفخر وذلك بتحويل الصحراء إلى واحات خضراء..

ثم كان الاتحاد المجيد في الثاني من ديسمبر عام 1971م هو هبة السماء الثالثة لشعب الإمارات بعد أن ألف الله بين قلوب أصحاب السمو حكام الإمارات حول دعوة زايد الوحدوية مصداقاً للآية الكريمة «لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم» صدق الله العظيم.

بقيادة زايد وثروة النفط واتحاد الإمارات.. شهدت دولة الإمارات العربية المتحدة تحولات كبرى في جميع المجالات وسوف نرصد في هذا الموضوع مجالاً واحداً فقط من هذه المجالات وهو مجال تخضير الصحراء، لنرى كيف كانت السماء كريمة بلا حدود مع شعب الإمارات، ولنتعرف على حجم الجهود الضخمة لإنسان الإمارات في هذه المعركة الكبرى بقيادة زايد الخير لاقتحام الصحراء وبدء الزحف الأخضر لوقف الزحف الأصفر.

ومع بداية هذه الملحمة الكبرى والتي تحولت بعد نجاحها في تحقيق أهدافها إلى تجربة رائدة أمام دول المنطقة والوطن العربي بل العالم كله، أدرك زايد الخير بوعيه العميق أنه لكي يضيء الضوء الأحمر كإشارة لوقف زحف اللون الأصفر، فلا بد له أن يضيء أولاً الضوء الأخضر كإشارة تحرك أمام مسيرة تحرك الزحف الأخضر.. من هنا كانت البداية.. وكانت نقطة بداية البداية هي السعي لتوفير المياه اللازمة لزراعة الصحراء وتحقيق حلم تحويل الصحراء الصفراء إلى واحات في الطريق لبناء الحضارة الحديثة.

. وبدأت الجهود الضخمة لحفر الآبار وتمهيد الطرق ودعوة زايد أبناء الشعب إلى الزراعة انطلاقا من تعاليم السماء التي جعلت مهمة الإنسان الرئيسية هي إعمار الأرض، وانطلاقاً من مقولته الشهيرة: «أعطوني زراعة، أضمن لكم حضارة».

وحتى يعبئ أبناء وطنه ويستنهض هممهم في هذه المعركة الكبرى.. سجل لنا التاريخ مشهداً من أروع المشاهد عندما حمل زايد معول الحفر بيديه وانضم إلى جمع من المواطنين في مدينة العين لتساهم الأيدي جميعاً في توسيع الأفلاج وهي أسلوب هندسي فريد صنعه الأجداد منذ التاريخ لري الواحات.

ولم يكن الطريق نحو تحقيق الحلم سهلاً ولا كانت المعركة هينة فبعد تحدي توفير المياه واجهت المسيرة الخضراء تحدياً جديداً تمثل في رأي الخبراء الأجانب الذين أكدوا استحالة نجاح زراعة الصحراء في ظل تلك الظروف التي تمثلت في ندرة المياه وقسوة المناخ وطبيعة الأرض الصحراوية.. لكن الحلم الكبير تغلب على التحدي، وبالإرادة والعزم والتخطيط الجاد تحقق النجاح بعون الله ثم بجهد الرجال بقيادة زايد.

واليوم تبدو الصورة زاهية واللوحة رائعة، حيث الأشجار المثمرة والمزارع الزاهرة تنبت فوق رمال مساحات واسعة من صحراء بلادنا واللون الأصفر فيها يتراجع أمام زحف اللون الأخضر، والواحات والغابات والحدائق والمزارع تتنوع على امتداد الأرض، تزخر بعشرات الملايين من أشجار النخيل والفاكهة من كل الأنواع، والمزارع تنتج بفضل الله ما لم يكن متخيلاً إنتاجه فوق الرمال من محاصيل وثمار..

بهذا النجاح في زراعة الصحراء زاد الخير على يد زايد الخير، وأضيف بذلك رافد جديد للخير حيث أصبحت الزراعة اليوم مصدراً هاماً من مصادر الدخل القومي ومصدر خير على المواطنين من المزارعين الذين وزعت الدولة الأراضي المستصلحة عليهم لينتجوا الخير لأنفسهم ولوطنهم.

mamdoh77t@hotmail.com