تعمد الرئيس الفلسطيني محمود عباس «أبو مازن» ان يكون تفصيليا في خطابه الذي استغرق ساعة وأربعين دقيقة يوم السبت الماضي.. وتعمد ألا يكون خطابه مكتوبا باستثناء رؤوس أقلام والعبارة التي ختم بها خطابه بالدعوة إلى انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة.
في السابق أعطى أبو مازن مواعيد كثيرة للإعلان عن خطوته تلك لكن كانت المساعي تتجدد في آخر لحظة لانجاز ما يسمى بحكومة الوحدة الوطنية.. بعد أن يكون أبو مازن ومساعدوه أعلنوا عن قرار حاسم سيتخذ خلال أيام أو أسبوع قبل نهاية رمضان أو بعد العيد.. الخ. وفي شهر نوفمبر الماضي أعلن نبيل عمرو المستشار الإعلامي لأبي مازن أن الحوار حول حكومة الوحدة وصل إلى طريق مسدود وأن الرئيس سيتوجه إلى المملكة العربية السعودية..
وكان أبو مازن ما زال في غزة فسارع إليه إسماعيل هنية يستفسر عما ورد على لسان مستشاره عمرو فاتصل أبو مازن بمستشاره قائلاً ان هنية موجود عنده وأنهما سيواصلان المشاورات فأجابه عمرو ولكن ما الذي تم فعلاً على مدى أربعة شهور هل الاتفاق على اسم رئيس الوزراء يعتبر انجازا ومتى سيتم الاتفاق على الوزراء؟ عملياً كان هدف حركة حماس كسب الوقت أو تضييعه والإبقاء على الوضع ضمن دائرتها تتحكم فيه وتسيطر عليه ربما لهدف في نفس يعقوب.
وهو إما أن تكون حكومة الوحدة طوع بنانها ونسخة عن الحكومة الحالية حيث أن رئيس الوزراء الحالي هو الذي يقوم بمناقشة تفاصيلها وكأن رئيس الوزراء المقبل لن يكون له أي حول او قوة، او أن يستمر الوضع على ما هو عليه لإفساح المجال أمام حركة حماس لتنفيذ مخطط غير معلن وهو استيلاد سلطة من رحم السلطة الحالية .
وهي سلطة حماس التي يجري تشكيلها وفق برنامج دقيق.. حيث يجري توظيف مستشارين وموظفين في الوزارات من حركة حماس وإقامة أجهزة أمنية موازية والصرف على الاتباع والموظفين من خلال أموال الخزينة العامة أو من خلال ما يتم جلبه عبر معبر رفح من أموال بالحقائب.
فالوضع الحركي لحماس مريح جداً حيث أن الأموال تتدفق على الحركة وتصرف على أعضائها خاصة في غزة وتوظف من تشاء وتهمش من تشاء، فهي حكومة حزبية تتصرف وكأنها في المعارضة أي بروح حكومة الحزب الواحد الذي لا يهمه قطاع واسع من الشعب.
أبو مازن تصرف بحسن نية طيلة هذا الوقت وكان حديثه دوماً مؤدبا ولم يرد على أية تهجمات طالت شخصه في الخطاب السياسي والإعلامي لبعض قادة حماس حيث اتهموه بالخيانة والانقلابية والاختلاس والسرقة الخ.. وظل يتصرف كرئيس للجميع واضعاً نصب عينيه انه لن يكون سبباً في حرب أهلية ولن يدفع باتجاهها خاصة وأن التهديد بحرب أهلية صارت عبارة يستخدمها بعض قادة حماس صباح مساء لتخويف من يدعو لانتخابات مبكرة او لاستفتاء عام بل وصل الأمر بهم الى القول أن هذه الحكومة ستكون آخر الحكومات، فإما أن تبقى او أن سقوطها يعني اسقاط السلطة بالكامل.
عملياً لم تتصرف حماس بالروح الديمقراطية التي أوصلتها إلى الحكم وظلت تمارس لغة المعارضة ولم تتحمل أي نقد إعلامي أو صحفي وكان كل من ينتقد أداء الحكومة وهو غير مرئي يعتبر انقلابياً مدفوعاً من الخارج..
بينما هي يدفع لها من الخارج وتتهم قادة فتح بالفساد وترفض أية مساءلة عن مصير الأموال التي تجلبها.. أنها علة الفصائل الفلسطينية أي الاتهام بالفساد ثم عدم فتح الأوراق لإثبات الشفافية.. وكان الخطاب الإعلامي لوسائل إعلام حماس رديئا حيث استخدم الألفاظ غير اللائقة ضد أناس لم يستخدموا مثلها..
وهذا أيضاً مثلب من مثالب حماس حيث أنها لم تحافظ على طهارة اللسان ولم تدفع بالتي هي أحسن ربما لأنها اعتمدت على جيل غير مهني من الإعلاميين والناطقين. الآن وقد تصاعد الموقف وسفكت الدماء يحتاج الأمر إلى معجزة لإعادة اللحمة إلى المجتمع الفلسطيني خاصة في غزة حيث أن الانقسام واضح ووصل إلى الشارع.
وترفض حماس الجدل حول الانتخابات المبكرة باعتبارها انقلاباً على الديمقراطية مع أن الكثير من الدول الديمقراطية لجأت إلى انتخابات مبكرة بعد تعذر تشكيل حكومات ائتلافية، والقانون الفلسطيني الأساس لم يتطرق إلى الانتخابات المبكرة مطلقاً لأنه نص على إجراء انتخابات لمرة واحدة خلال الفترة الانتقالية أي اتفاق أوسلو، ولم ينص على إجراء انتخابات لمرة ثانية وهو ما أسس عليه المعارضون للانتخابات الأخيرة معارضتهم لها باعتبارها غير واردة في القانون الأساس.
لكن أبو مازن استند إلى فقرة تنص على أن الشعب مصدر السلطات، فالجدل حول عدم وجود نص يبيح الانتخابات المبكرة ليس له أساس لأن عدم القبول به يعني أيضاً عدم القبول بقانونية الانتخابات الأخيرة التي فازت فيها حماس لعدم وجود أساس قانوني في الدستور المؤقت. حماس ليست راغبة في حكومة كفاءات أو خبراء.. وهي تريد حكومة وحدة تنفذ برنامجها..
فلدى حماس نظرة مغايرة بل هو برنامج طويل الأمد.. لأنها تعرف مسبقاً أن طريق المفاوضات لن يؤدي إلى استعادة الحقوق الفلسطينية وبالتالي فالأفضل عدم التفاوض إلا في نطاق هدنة مؤقتة، وتريد حماس عملياً «حمسنة» الشعب الفلسطيني ومؤسساته لتكون قادرة على الصمود حتى لو تطلب الأمر نقل الأموال عبر الأنفاق وعبر المعبر، لكن هذا ليس حلاً لأن فلسطين ليست غزة فقط ولأن إدارة شؤون شعب لا يمكن أن تتم بهذه الطريقة.
ولهذا لا يمكن التكهن بما ستؤول إليه الأحداث، لأن حركة حماس لا يبدو أنها بصدد الموافقة على حكومة كفاءات التي يطالب بها الرئيس أبو مازن.
وهي ترى نفسها قوية بما فيه الكفاية خاصة في غزة لتفرض كلمتها لكنها ليست كذلك في الضفة التي حافظ فيها قادة حماس على اتزانهم واتزان عناصرهم بحيث لم تحدث اشتباكات ذات مغزى، ربما لأن اليد الطولى في الضفة لحركة فتح وأجهزتها الأمنية. فحماس ركزت نشاطها على تدعيم نفسها ومؤسساتها في غزة ونقلت مركز القرار إلى هناك.
ورفضت إيلاء أية مسؤولية لقادتها في الضفة حتى قبل اعتقال رئيس المجلس التشريعي ونوابها ووزرائها، وهذه النقطة تثير حساسية لدى اتباع حماس في الضفة حيث يرون أنهم تابعون وليسوا مصدر قرار. المشهد الدموي المؤلم والمفجع في غزة ربما ساهم في تهدئة الأوضاع في الضفة، لكن من يوقف هذا النزف في غزة؟
ليست ثمة أمل الا باتفاق سياسي واضح حول حكومة وحدة حقيقية لأن الانتخابات المبكرة ستكون أيضا سبباً في الاستمرار في القتال الداخلي، فحركة حماس تهدد بأنها ستعود إلى العمل العسكري ضد إسرائيل أيضاً في حالة إجراء الانتخابات وفقدانها للحكومة.
لكن يبدو أن القرار ليس بيد حماس في الداخل بل هو في يد حماس الخارج التي لها حساباتها وتحالفاتها الإقليمية التي ربطت مسار الأحداث الفلسطينية بالصراع اللبناني والوضع السوري والمفاعل الإيراني والصراع بين حركة الاخوان المسلمين والاميركين والصراع بين الأميركيين وإيران. ولهذا هب الأميركيون والبريطانيون فجأة لإبداء دعمهم للرئاسة الفلسطينية ولتحريك المسار التفاوضي الفلسطيني الإسرائيلي وهذا التحرك الفجائي يعني تهدئة الوضع على الجبهة الفلسطينية ربما لأن الأميركيين والإسرائيليين يريدون اشعال نار جديدة في إيران.
رئيس تحرير «الحياة الجديدة» فلسطين