في محاكم أمن الدولة العربية لا يفرق رئيس المحكمة بين متهم إسلامي وآخر قومي طالما أن كلا منهما قدم إلى المحاكمة لقيامه بنشاط سياسي يعتبره رجال الأجهزة الأمنية معادياً للنظام الحاكم.
ومشكلة المنظمات الإسلامية والمنظمات القومية أيضاً لا تدرك تماماً بأنها جميعاً مصنفة كعدو من وجهة نظر النظام. ومما يؤسف له ان «المؤتمر القومي الإسلامي» الذي عقد في الدوحة عند نهاية الأسبوع الماضي لم يتوقف كثيراً عند هذه المسألة.
أجل.. هناك خلاف أيديولوجي بين الإسلاميين والقوميين العرب. والغرض هنا ليس مناقشة هذا الخلاف وإنما أقول بأنه نظراً للظروف السياسية الصعبة التي يواجهها الفريقان في معظم البلدان العربية فان الحكمة تقتضي تأجيل هذا الخلاف الايدولوجي من أجل إنشاء جبهة موحدة لمواجهة الظروف المحلية.
الأنظمة الحاكمة في بعض البلدان العربية تركز الاستهداف الأمني على المنظمات الإسلامية لأنها الأقوى تنظيمياً والأشد تماسكاً. وهذا مما يفسر لنا الحظر الدستوري في تلك البلدان على إنشاء منظمات أو أحزاب سياسية على أسس دينية.
ولكن ليس معنى هذا أن الأنظمة تتجاهل تماماً المنظمات القومية وغيرها (كالتنظيمات الماركسية)، وإنما مثل هذه المنظمات تعتبر أقل نشاطا وبالتالي أقل خطراً.
ومما يؤسف له أن الأنظمة الحاكمة في عدد من البلدان العربية نجحت في استقطاب قيادات منظمات قومية لتشارك النظام في حربه على التيار الإسلامي الراديكالي.
ولكن ليس معنى هذا بالضرورة الحتمية ان قيادات المنظمات القومية قاطبة قصدت ان تجعل من نفسها أداة في خدمة أنظمة استبدادية. المعنى هو أن هذه القيادات سمحت لها خصومتها الايدولوجية ضد الإسلاميين ان تقودها إلى تحالف تكتيكي مع الأنظمة.
مع ذلك فإن من بين سكان المعتقلات السياسية في العالم العربي أعدادا كبيرة من شتى قبائل العلمانيين بما في ذلك القوميون العرب. فمتى تدرك القيادات والعناصر العلمانية ذات المصداقية النضالية ان الأنظمة الاستبدادية هي العدو المشترك بينها وبين القيادات والعناصر الإسلامية؟
صفوة القول إن الظرف السياسي الراهن في العالم العربي ليس ملائما لخصومات ايديولوجية طويلة المدى.
فهناك حرب أمنية شعواء تشنها بعض الأنظمة بالأصالة عن نفسها وبالإنابة عن إسرائيل والولايات المتحدة. وإذا كانت هذه الأنظمة تجمعها مع الدولة اليهودية وشريكها الأميركي جبهة ثلاثية موحدة فإن هذا الظرف الواقعي الماثل يتطلب من كافة التيارات العربية بكافة تنظيماتها القومية والإسلامية تكوين جبهة مضادة على الطرف الآخر وإلا فإن كلا منها ستكون صيداً سهلاً لأجهزة أمنية عربية مدعومة بالموساد ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية.
الأجندة المرحلية ليست الصراع الايديولوجي وإنما هي التجمع داخل جبهة موحدة للمكافحة ضد الاستبداد الداخلي من أجل إجبار الأنظمة على توفير حريات التعبير والتنظيم وضمان استقلالية القضاء وذلك كله كتمهيد لنضال موحد ضد العدو الأعظم المتمثل في الثنائية الإسرائيلية الأميركية.أما الصراع الايديولوجي فهو في الظرف الراهن يعتبر ترفاً قاتلاً.