في نطاق التحرك النشط الذي يقوم به جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين جاءت المباحثات بين رئيس الوزراء الدكتور معروف البخيت والرئيس الفلسطيني محمود عباس وتم الاتصال برئيس الوزراء الفلسطيني السيد اسماعيل هنية ودعوته لزيارة عمان من اجل اجراء مشاورات حول كيفية حل الازمة الراهنة بينه وبين الرئيس عباس حول تشكيل حكومة وحدة وطنية ، ووضع حد للخلافات الداخلية التي ما زالت تشكل احد العوائق في سبيل العودة الى العملية السلمية تمهيدا لحل النزاع الفلسطيني الاسرائيلي حلا عادلا يعطي للشعب الفلسطيني حقوقه في اقامة دولته المستقلة.

دعوة السيدين عباس وهنية لاجراء مباحثات مشتركة بينهما في وقت لاحق ليست مجرد محاولة للجمع بينهما ، فهما على اتصال حيث هما في الاراضي الفلسطينية ، ولكن عرض الحقائق التي يعرفها جلالة الملك عليهما امر ينطوي على اهمية معينة خاصة وان مبادرة جلالته جاءت في اعقاب اتصالات مكثفة شملت عددا من القادة العرب وقادة الدول الكبرى الفاعلة كان من اهم نتائجها الاتفاق على ان حل النزاع الفلسطيني الاسرائيلي يشكل منطلقا لحل بقية النزاعات القائمة في منطقة الشرق الاوسط ، والقناعة بوجود فرصة معقولة لاستئناف عملية السلام بين الجانبين.

ويعرف الرئيس عباس وكذلك السيد هنية ان لقاء جلالة الملك برئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت في عمان قد فتح الطريق للاتصالات الفلسطينية الاسرائيلية ، والدفع في اتجاه رفع الحصار عن الشعب الفلسطيني ووقف الاعتداءات اليومية عليه وخلق اجواء مواتية للبدء بالعملية المأمولة ، وان الاردن الذي بذل كل ما في وسعه لتقديم المساعدات المباشرة والتخفيف من معاناة الشعب الشقيق يريد ان يرى الاحتلال الاسرائيلي وقد زال كليا عن الضفة الغربية وقطاع غزة ، ويرى الفلسطينيين وقد استعادوا ارضهم وحريتهم واستقلالهم ، فتلك الاتصالات اذن هي عملية متعددة الاطراف والجوانب ولكنها تصب في مصلحة القضية الفلسطينية.

ولا مرة تصرف الاردن تجاه فلسطين من منطلق الوساطة او الحياد ، فهي بالنسبة له قضية استراتيجية تهمه بقدر ما تهم الشعب الفلسطيني ، بل انه يؤمن بان حل تلك القضية مصلحة اردنية لا جدال فيها ، وبالتالي فان التحرك السياسي الذي يقوم به حاليا هو تحرك ثنائي اردني فلسطيني بالدرجة الاولى ، وهو في ابعاده العربية والدولية جزء من الدور الاقليمي والقومي الذي يتولى مسؤوليته بكل ثقة وثبات.

من هنا فان اعادة ترتيب الموقف الفلسطيني بشكل يضمن له الدخول القوي في العملية السلمية امر على درجة عالية من الأهمية لأنه من دون ذلك لن تكون اسرائيل ملزمة ببحث المسألة من اساسها ، ولن يجد العالم العربي الذي يستند الى المبادرة العربية التي اقرتها قمة بيروت سبيلا لوضع تلك المبادرة في الميزان ، ومن ثم فان المجتمع الدولي سينفض يديه من تلك القضية ويظل متفرجا من بعيد ، اي ان هذه المرحلة من الاتصالات الاردنية الفلسطينية ، والفلسطينية الفلسطينية هي نقطة البداية والخطوة الاولى على الطريق الذي نعرف جميعا انها لن تكون مفروشة بالورود.

نملك حيزا كافيا لكي نبدي قدرا من التفاؤل بتسوية الخلافات الفلسطينية ، مراهنين على وعي قادة الشعب الفلسطيني وحرصهم على مصلحته ، وندرك في الوقت ذاته بأن العواطف والشعارات الجميلة ليست كافية لحل تلك الخلافات ، ولكن تغليب تلك المصلحة على اي اعتبار اخر ، واتخاذ القرارات الجريئة والمواقف الشريفة سيؤدي حتما الى تجاوز هذه المرحلة الصعبة والمؤلمة ، وها نحن معهم خطوة خطوة في اتجاه فلسطين الحرة المستقلة بعون الله.