عندما نقسم الدول العربية، إلى أنظمة راسخة وفق واقعيتها في معالجة أمورها الداخلية وعدم الانجرار للسياسات الخاطئة بالمنطقة نضع المملكة وعُمان على قائمة هذه الدول، والسبب موضوعي أي أن الاتجاه للبناء وفق أسلوب يريد رفع كفاءة الفرد والمجتمع، وتحقيق معدلات جيدة في دخله، ومحاولة حمايته من الانحرافات والتطرف، والعمل على تجديد الأنظمة وفق تطور الحياة العامة، ومؤثرات التقدم العالمي، جعل الدولتين تحققان مكاسب كبيرة، بالرغم من ضغوط الأوضاع العربية والإقليمية التي اتخذت منحنيات خطيرة هددت سلامتهما..
التعامل مع منطقة تتجدد فيها الحروب، والانقلابات، والتفتت الاجتماعي والتفكك السياسي، تواجه الدول المعتدلة بصعوبة في تعاملها مع غيرها فلا تستطيع الانعزال عن نيران تحاصرها بتأمين سلامتها الداخلية، ولا تقبل التدخل في أمور تجرها إلى مشاكل أكثر خطورة عليها، ولذلك نجد المملكة وعُمان تؤسسان لمراكز إطفاء عديدة في مختلف الاتجاهات والمواقع..
فالعراق أصبح لعبة أمم وأقاليم، وإعادة اللوح الزجاجي الذي تكسر باسم الطائفية، لا يمكن إعادته إلى وضعه الطبيعي، طالما كل فريق يدعي سلامة أفكاره وضرورة تمريرها أو فرضها على بقية الطوائف، والعمل على خلق الفوضى نيابة عن الآخرين..
وإيران، القوة الإقليمية المتداخلة تاريخياً وجغرافياً مع المنطقة لا نستطيع فهم طبيعة سياستها، وخاصة في الصرف على تسليحها، وانخراطها في قضايا أمنية في لبنان والسودان ودول الخليج وغيرها، بنفس الوقت تتحدث عن وحدة العالم الإسلامي وإعلان العداء للغرب وإسرائيل، وهي أمور متشابكة قد تجر المنطقة إلى حالة انعدام التوازن طالما لم تتحقق الثقة في بناء استراتيجية واحدة تكون مصدر تأمين سلامة كل الدول..
بقية القضايا المندرجة على حالات اللاتوازن، والانفجار، تعمل المملكة وعُمان على جعل لبنان ديموقراطياً مستقلاً بقراراته وخياراته، لكن ذلك صعب طالما وحدته الداخلية مشتتة، والقضية الفلسطينية المفترض أن تكون النموذج العربي، والإنساني في وحدة فصائلها وشعبها أصبحت تدخل في حرب غير معلنة، والسبب أن الأفكار، والآراء لا تتلاقى، مع أن العقد الاجتماعي، ووحدة المصير وعداء العدو، تكون الأساس بدلاً من خلط الأوراق..
أما السودان، والصومال فهما على خط ساخن، الأولى ربما تجتهد وتخرج من المأزق بوجود حكومة مركزية تستطيع فتح الحوارات وتقليص حالات التوتر الداخلي والتدخل الخارجي والثانية تعيش طوفان الحرب بسلسلة من التحالفات، بين الحكومة المركزية من جهة، واثيوبيا، مقابل تنظيم المحاكم الذي أصبح إعصاراً اجتاح معظم مدن الصومال، لكن الطاحونة ستفرم لحوم الأطفال، والمدنيين من كل الطبقات، وبغياب الحل والتدخل الخارجي ستندرج هذه القضية ضمن اللائحة العربية المتحاربة، وهنا يصعب أن نجد فرصة للدول المعتدلة لحل هذه الإشكالات..