استكمالاً للموضوع السابق الذي كتبت فيه عن رفاهية هذا العصر بالنسبة للشعوب المقتدرة، وعن التقدم العلمي والتكنولوجي الذي للأسف سخره الأقوياء لفرض سيطرتهم بالحرب والدمار، وكأنهم يريدون إثبات أن هذا العصر لا مكان فيه إلا لهم وعلى حساب الشعوب الأخرى.

وقد أعجبني رأي أحد المفكرين الغربيين حين قال: العالم مليء بالأشرار لكن ليس كما يدعي جورج بوش حين صنف من معه بالخير، ومن يخالفه الرأي بالشرير فهو برأيه هذا يعمم الشر على العالم كله، ويقضي على كل ما حققته البشرية من تقدم ونماء.

فإذا كان الأمر كما يراه، فما هو تصنيفه إذاً لما نتابعه يومياً من خراب ودمار حول العالم؟ وبالذات في إفريقيا وآسيا والشرق الأوسط؟ وما تصنيفه للمتسبب فيه؟ وأين الخير منه؟!

لا شك أن المعركة الدائرة فعلاً هي بين الخير والشر لكن الشر لا يمثله إلا هؤلاء المتغطرسون الذين يضحون بأرواح أبنائهم، ويقتلون شعوباً ويدمرون دولاً في سبيل تحقيق مصالح سياسية، وأطماع اقتصادية ولن تتوقف معركة هؤلاء الأشرار ضد الإنسانية، بدءاً من فيتنام إلى فلسطين والعراق وأفغانستان ولبنان، ولا أحد يدري إلى أين سوف تصل؟

ألم يكن بإمكانهم استثمار التقدم والتطور لخدمة كل الشعوب الفقيرة والغنية معاً لتعم الاستفادة؟!

أما الأخيار من شعوب العالم فهم الذين يضحون في سبيل حريتهم ويتصدون لهؤلاء الأشرار ولو بموقف أو كلمة، ومؤخراً أدرك بعض المثقفين والمفكرين وحتى الفنانين في أميركا ذلك واستغلوا كل الوسائل الإعلامية والتكنولوجية لإيصال آرائهم وكلمتهم للشعب الأميركي للتصدي لهذه المجموعة، إذ بعد مضي أكثر من خمس سنوات على كارثة 11 سبتمبر أصبح هؤلاء على يقين بأن المجموعة التي كانت تحكمهم قد تكون وراء هذه الكارثة.

والأيام القادمة سوف تكشف أسراراً وخفايا عنها، كما تم الكشف مؤخراً عن نفقات الحرب التي تشنها الحكومة الأميركية بقيادة المحافظين الجدد على الإرهاب كما تدعي، وهل هي من مقدرات الشعوب المقتدرة أم من ثروات الشعوب الفقيرة؟

في رأيي أن ما تم ويتم صرفه على الحرب على أفغانستان والعراق، إن لم يكن خيالياً بالنسبة للبعض فهو يصيب البعض الآخر بالذعر، ووكالات الأنباء لم تقصر في نشر الأرقام المعلنة على الأقل.

حيث ذكرت أن الكونغرس الأميركي قبل الانتخابات الأخيرة وافق على تخصيص 70 مليار دولار إضافية للحرب على العراق وأفغانستان، أو ما يسمونه بالحرب على الإرهاب ووضع أسس الديمقراطية في هاتين الدولتين لتكونا نموذجاً يحتذى به في باقي الدول، لكن إلى الآن لا ندري أي نموذج سوف تسفر عنه الحرب الدائرة هناك؟

وقد نشر أيضاً أن إجمالي النفقات على هذه الحرب حتى الآن وصل إلى حوالي 500 مليار دولار وقد تصل التكلفة إلى تريليون دولار مع ذلك فتحقيق الهدف المعلن الذي قامت من أجله وإلى أين سوف تصل أطماعهم ما زالا في علم الغيب.

ومعلومة أخرى ذكرت أن ما صرف منذ 30 عاماً على دولة إسرائيل وصل إلى مليارات من الدولارات مما يعني أن إسرائيل لولا الدعم الأميركي العسكري والاقتصادي اللامحدود لها لما استباحت وتغطرست على شعب لا يستطيع التصرف حتى في الدعم البسيط الذي يحصل عليه بعد جهد ومشقة.

ولا زلنا لا نعرف من أين تأتي الحكومات الأميركية بهذه المبالغ الضخمة؟ أهي من ثرواتها الخاصة، أم من عائدات البترول العربي؟! ألم يكن في استطاعتهم صرف هذه الأموال إن كانت من خزائنهم والتي تساوي ميزانية عدد من الدول النامية في آسيا وإفريقيا على الشعوب الفقيرة ودعمها اقتصادياً وسياسياً لتواكب التطور السريع الذي يشهده هذا العصر؟

أما إذا كانت من البترول العربي فالشعوب العربية لا تستنزف دماؤها فحسب بل ثرواتها كذلك، أليست أحق بهذه الأموال لتنميتها اجتماعياً واقتصادياً؟.

وأخيراً في الوقت الذي نقرأ فيه أن الحكومة الأميركية صرفت مبالغ كبيرة لإنشاء مراكز إعلامية في منطقة الشرق الأوسط وأوروبا لنشر الحوار بين الثقافات وتقليص الفجوة بين الشعوب، تنشر تقارير للأجهزة الاستخباراتية الأميركية يقال إنها سرية تؤكد أن التطرف والإرهاب في ازدياد وانتشار في العالم.

أليس الشعب الأميركي بحاجة أكثر للتثقيف والتعريف بما يدور في الدول خاصة العربية والتي ربما لا تعرف الأغلبية منه حتى مواقعها على الخريطة أم أن تجاهله يناسب سياسة حكوماتها وأطماعها اللامحدودة؟.

لو حصل وأن صرفت الحكومات الأميركية المتعاقبة هذه المبالغ لنصرة الحق والمستضعفين، وتنمية الشعوب الفقيرة وبناء علاقات معها بدل خلق ثغرات قد تستمر تداعياتها إلى ما لا نهاية، لهللت لها كل الشعوب وتجاوبت مع أفكارها العصرية التي تريد نشرها بالقوة!

كاتب إماراتي

sultan654@hotmail.com