بعد هدوء الضجة الإعلامية التي رافقت صدور تقرير بيكر- هاملتون في الأسبوع الأول من شهر ديسمبر الجاري، جاءت عملية تقييم التقرير وتحديد أهميته بالنسبة لصانع القرار في واشنطن. وعلى الرغم من اتجاه غالبية المحللين السياسيين إلى الإشادة بالتقرير، إلا انه لم يستطع إقناع أية جهة معنية بصلاحيته كسياسة بديلة للتعامل مع القضية العراقية. وفي الواقع، جاءت ردود الفعل على التقرير لتكشف مدى التمحور الذي يسود الساحة الأميركية، ومدى تباين وجهات النظر فيما يتعلق بالعراق خاصة، وبالسياسة الواجب اتباعها حيال الشرق الأوسط عامة.

إن فشل التقرير في الحصول على إجماع شعبي أو غير شعبي على ما جاء به من مقترحات، يعني أنه ليس من المتوقع أن يتبنى الرئيس الأميركي محتويات التقرير أو أجزاء أساسية منه. ويلاحظ المراقب السياسي أن التقرير أصبح، وقبل مرور أسبوعين على ميلاده، يتيما... فلا الديمقراطيون، ولا الجمهوريون، ولا المؤسسة العسكرية، ولا وزارة الخارجية، ولا الإعلام الأميركي يرى الخلاص فيما حمله من مقترحات. ويعود السبب في ذلك إلى ثلاثة عوامل رئيسية:

قيام التقرير بمحاولة إرضاء كافة الجهات الرسمية والشعبية التي تطالب بالخروج من العراق بالرغم من تباين أهدافها، قيامه بتوجيه النقد لكل الجهات المسؤولة عن شن الحرب وإدارة الأزمة العراقية، وتجرؤه على ربط المشكلة العراقية بالقضية الفلسطينية.

إن أهمية التقرير تنبع من كونه أول وثيقة شبه رسمية، تصدر بتكليف وتمويل من الكونغرس لتحليل أبعاد الأزمة العراقية واقتراح مخرج منها. ومن الأمور التي تسبب بها التقرير، إبراز ابعاد الفشل وسوء ادارة الحرب في العراق، تنشيط الحوار حول ما جرى ويجري على الساحة العراقية، ودفع الرئيس بوش إلى الاعتراف بعدم نجاح سياسته الحالية والحاجة لسياسة بديلة.

من ناحية أخرى، إن احتواء التقرير على 79 توصية، لا تتوافق جميعها من حيث المطلبات والهدف، يعطي كافة الأطراف المعنية فرصة جيدة للنيل منه، أو لاستخدام أجزاء منه أداة ضد الغير من المنافسين. ومهما يكن من أمر، فإن التقرير قام بإعادة طرح مفهوم «الواقعية» كفلسفة سياسية في واشنطن، وذلك بعد سيادة مفهوم «المثالية» في ظل سيطرة المحافظين الجدد على صناعة القرار وعمليات تنفيذه.

وهذا يعني أن تقرير بيكر- هاملتون قد أصبح إحدى المرجعيات الرئيسية التي لا بد من الرجوع إليها والاسترشاد بها في عملية إعادة صياغة سياسة أميركا الشرق أوسطية. إن المثالية كفلسفة سياسية تختلف كثيرا عن المثالية في المفهوم الثقافي العام... إنها مثالية تعكس رؤية النخبة الحاكمة وموقفها تجاه الغير.

ولذا فإن مثالية نخبة سياسية معينة قد ينظر إليها من قبل الغير على أنها نظرة فوقية أو نزوة اعتباطية، لا تدرك معطيات الواقع على حقيقته وليس في مقدورها تغييره كما يريد أنصارها.

أما الواقعية، فهي أكثر الفلسفات السياسية شيوعا وأوسعها استخداما من قبل القوى الكبرى والدول العظمى. وتسعى الواقعية إلى العمل على تحقيق الأهداف الوطنية قصيرة المدى، وذلك بغض النظر عن نتائجها بعيدة المدى، ودون أخذ مصالح وحقوق الغير من الدول في الحسبان.

ويعتبر الفيلسوف الايطالي ميكافللي، الذي قال بأن «الغاية تبرر الواسطة» أول من أعطى لهذه الفلسفة بعدها السياسي، وقام تجريد السياسة من بعدها الأخلاقي. وهذا يعني أن الفكر الواقعي لا ينظر للأمور من وجهة ما يجب أن تكون عليه، بل بناء على ما يمكن أن تحققه من أهداف خدمة للمصلحة الوطنية.

وعلى سبيل المثال، قامت أميركا أثناء الحرب العالمية الثانية بالتحالف مع الاتحاد السوفييتي ضد ألمانيا وحلفائها، وذلك على الرغم من أن أميركا وحلفاءها الغربيين كانوا يدركون أن الاتحاد السوفييتي هو عدوهم الاكبر على المدى الطويل. فاشتراكية الفكر الماركسي الذي كان يتبناه السوفييت تتناقض مع الفكر الرأسمالي الذي كان يتبناه الاميركيون.

وأن نظام الحزب الواحد القائم على دكتاتورية الطبقة العاملة يتعارض مع نظام تعدد الاحزاب والديمقراطية الغربية. وانطلاقا من الايمان بأن الواقعية السياسية تخدم المصالح الأميركية، لم تتورع اميركا عن التعاون مع انظمة حكم تعادي الفكرة الديمقراطية، وتمارس الكبت وتنتهك حقوق الانسان في بلادها.

وفي المقابل، يقول دعاة المثالية ان السياسات التي تهمل ما قد تؤول إليه الأمور في المدى البعيد هي سياسات خاطئة، قد تكون لها عواقب وخيمة وخطيرة على المصالح الوطنية. وعلى سبيل المثال، قالت كوندوليسا رايس وزيرة خارجية أميركا وغيرها من دعاة المثالية حين أعلن بوش عن برنامجه لدمقرطة البلاد العربية والاسلامية أن القبول بالامر الواقع والتعامل معه لم يخدم قضية السلام، ولم يحقق التنمية، ولم يؤد إلى استتباب الأمن والاستقرار، وكان سببا في تشجيع التطرف الديني واتساع نطاق الإرهاب.

وانطلاقا من النظرية المثالية التي تقول إن الديمقراطيات لا تحارب بعضها البعض، قامت إدارة بوش باطلاق مشروع دمقرطة الشرق الأوسط، والضغط على حلفائها من أنظمة حكم عربية واسلامية لاحترام حقوق الانسان في بلادها، وإجراء انتخابات دورية، والعمل على تداول السلطة في المجتمع.

لذا يمكن القول ان من المتوقع أن تتجه سياسة أميركا الشرق أوسطية التي تتم صياغتها اليوم نحو الابتعاد عن المثالية، والتقرب أكثر من الواقعية، وإلى التعامل مع العرب دون تشنجات ايديولوجية.

كما أن تقرير بيكر- هاملتون سوف يزيد الضغوط على إدارة بوش كي تعيد حساباتها الاستراتيجية، وتنظر إلى منطقة الشرق الأوسط نظرة واقعية شمولية.

وهذا من شأنه دفع الإدارة الاميركية إلى العمل على إحياء عملية السلام العربية - الإسرائيلية، خاصة على طول المسار الإسرائيلي - الفلسطيني، وإلى حصر دعمها لحكومة الرئيس اللبناني فؤاد السنيورة في التصريحات السياسية القائمة على الوعيد والتهديد، وإلى محاولة ايجاد وسيلة غير تقليدية لفتح حوار مع سوريا، وربما مع إيران أيضا.

أكاديمي أميركي من أصل عربي

Professorrabie@yahoo.com