ما هي القيمة المهملة تماما لاتفاق أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل؟. واحدة فقط: الاتفاق يوفر الأساس لقيام دولة فلسطينية. يمكن إدراك ذلك بسهولة لا من بلاغة المسؤولين الفلسطينيين الذين دافعوا عن الاتفاق وقت توقيعه ولا التزامهم بتنفيذ بنوده المتوجبة فلسطينيا، بل من رد فعل إسرائيل التاريخي حياله.

يمكن إدراك هذه القيمة من الضراوة التي أبدتها حكومات إسرائيلية متعاقبة (حوالي 6 حكومات لم تكمل أي منها ولايتها) من الحزبين الرئيسيين (العمل والليكود) لضرب مقومات الاتفاق إلى حد إلغائه تماما. باراك ونتانياهو سارا قدما في ذلك وتوج شارون المسعى التاريخي باجتياح جنين وحصار الراحل ياسر عرفات في المقاطعة إلى أن تم تسميمه وقتله. إن اتفاق أوسلو فيه من المساوئ الكثير، وهذا ناتج من كونه اتفاقا مرحليا، لكن تشكيل حكومة فلسطينية وإجراء انتخابات لمجلس تشريعي وبناء مؤسسات دولة لم تكن لوازم شكلية، بل عملية بناء انوية الدولة المستقلة.

شنت إسرائيل حربا ضروسا ضد الاتفاق من منظار تاريخي واستراتيجي بحت بهدف واحد: الحيلولة دون قيام دولة فلسطينية. وهذا تطلب جملة من السياسات على أكثر من مستوى وصولا إلى التفاصيل اليومية:

المجازر، ضرب المدنيين، اغتيال الناشطين، تأجيل المفاوضات مرة تلو أخرى، التلكؤ في تنفيذ استحقاقات الاتفاق وافتعال الصدامات الأمنية باستمرار لتبرير عدم الالتزام بالاتفاق، تحويل حياة الفلسطينيين إلى جحيم، الخنق الاقتصادي، حجز أموال الضرائب، ضرب مؤسسات السلطة.. الخ. لكن من بين كل هذه السياسات والوسائل سيبقى هدف واحد يحقق اكبر قدر من الفعالية في تأخير قيام الدولة: الحرب الأهلية الفلسطينية.

نال عرفات نصيبه من الانتقادات من الفلسطينيين والعرب منذ أن وقع الاتفاق وحتى رحيله وكان الإسرائيليون يقولون «ليس لدينا شريك فلسطيني للتفاوض معه».

جاء أبو مازن ولم يتغير الأمر كثيرا، فالإسرائيليون قالوا أيضا «ليس لدينا شريك فلسطيني للتفاوض معه». غرق أبو مازن في مشكلاته الداخلية إلى أن قام بتنظيم الانتخابات التي جاءت بحماس إلى السلطة. جاءت حماس إلى السلطة فما الذي تغير في السياسة الإسرائيلية حيال الفلسطينيين؟.

لا شيء تغير إنما تبدلت المسميات فقط. الخنق الاقتصادي هو نفسه الذي كان يتم تطبيقه ضد السلطة التي كان يقودها عرفات من وقت لآخر. الحظر السياسي هو نفسه، عرفات لم يكن شريكا وأبو مازن لم يكن شريكا وحماس ليست شريكة أصلا.

اجتياح جنين في 2002 تكرر في حملة «أمطار الصيف» عام 2006، وفي كلا الحربين كانت الذريعة الإسرائيلية: ضرب الإرهابيين، تماما مثلما كانت ذريعة اجتياح لبنان عام 1982 «سلامة الجليل» وإبعاد صواريخ الكاتيوشا الفلسطينية عن شمال إسرائيل.

هذا «الإرهاب الفلسطيني» حسب الإسرائيليين ليس مقصورا على فصيل فلسطيني دون آخر، كلهم إرهابيون من «كتائب الأقصى» إلى «كتائب القسام»، فأي تفاصيل تلك التي تختبئ في ثناياها آلاف الشياطين غرق فيها الفلسطينيون لكي يندفعوا هكذا بكل طيش وتهور وخفة نحو الاحتراب الداخلي؟.

لقد أهمل الفلسطينيون وخصوصا (حماس) البعد الاستراتيجي تماما في صراعهم مع إسرائيل. لقد غرقوا في التفاصيل اليومية الصغيرة ورفاهية مشاحنات الأحزاب وكأن مرحلة التحرر الوطني قد أنجزت. لقد أظهرت هذه المعركة المستعرة منذ فوز حماس في الانتخابات التشريعية أن ما يفتقده الفلسطينيون حقا هو الرؤية الإستراتيجية.

من يتحمل المسؤولية؟. كل الأطراف طبعا بنصيب يزيد أو يقل لدى كل طرف. إن المصاعب التي واجهها الفلسطينيون منذ قيام السلطة الفلسطينية لم يخلقوها هم بل هي ثمرة أصيلة للسياسات الإسرائيلية. هذا صحيح لكنهم يتحملون المسؤولية طبعا لأنهم ارتكبوا من الأخطاء ما ساعد الإسرائيليين على تحويل أزمتهم إلى الفلسطينيين. «فتح» ارتكبت أخطاء أثناء قيادتها للسلطة وحماس ارتكبت أخطاء منذ قيام السلطة وحتى تسلمها إياها اثر الانتخابات.

عدا جلسات المصارحة والنقد، يحتاج الفلسطينيون هذه الأيام إلى خطوة تاريخية تحتاج قدرا كبيرا من الجسارة. عليهم أن يدركوا تماما أن إسرائيل لا يهمها من يمسك بالسلطة الفلسطينية ومن يحكم الفلسطينيين، سواء أكان عرفات أو أبومازن أو خالد مشغل أو حتى نايف حواتمة أو احمد سعدات. ما يهم إسرائيل عرقلة عملية بناء الدولة وتقويض كل إمكانية وفرصة وأمل لبناء الدولة.

هذا الجدل حول بناء الدولة أو المقاومة سيبقى جدلا عقيما طالما اغفل الضرورة الملحة فلسطينيا لمواصلة بناء الدولة. هذا يتطلب اتفاقا واضحا بين كل الفصائل الفلسطينية يسميه البعض «اتفاق الحد الأدنى» لكنني أرى انه «اتفاق الضرورة التاريخية».

إكمال معركة التحرر الوطني التي لن تستطيع (فتح) لوحدها القيام بها مثلما كان الأمر سابقا بأدائها المخفق في إدارة السلطة، ولن تستطيع (حماس) أيضا القيام بها لوحدها مثلما كانت تفعل وهي خارج السلطة بعملياتها الاستشهادية أو حتى وهي في السلطة بقطيعتها هذه مع أبومازن التي شقت السلطة وشلت حركة الشعب الفلسطيني.

الإسرائيليون يعرفون تماما هذه الخاصية في الفلسطينيين وفينا نحن العرب: إهمال الاستراتيجي دوما لحساب الراهن، قصر النظر والمراهنة دوما على الأشخاص دون المؤسسة والبرنامج. غرق متواصل في المشاحنات اليومية، عشرات التفاصيل المنهكة وإهمال الاستراتيجي لحساب مواقف تبدو اقرب للنميمة.

وإذ يدرك الإسرائيليون هدفهم جيدا، فإنهم يدخلون اللعبة دوما لكي يزيدوها اشتعالا: امتداح أبومازن لكي يقول قادة حماس: انظروا ألم نقل انه يلبي رغبات الإسرائيليين. ضرب ناشطي حماس لكي يقول غلاة حزب الحكومة السابق (فتح): انظروا ألم نقل إنهم يجعلون الفلسطينيين يدفعون أثمانا باهظة لمغامراتهم.

وتروح هذه المقولات تتبلور مثل نميمة المجالس إلى أن تصيغ نفسها في أطروحات يتم التنظير لها ويضفي عليها شيئا من الرصانة، لكنها في النهاية تقود الفلسطينيين إلى هاوية الاقتتال وليس طريق بناء الدولة. أي طريق الأشخاص وليس طريق المؤسسة، الغرق في الراهن عوضا عن الالتفات للاستراتيجي.

أمام الفلسطينيين اليوم طريق واحد فقط يتطلب جسارة تليق بمن يقود شعبا في معركة تحرر وطني ويتطلب شجاعة في التضحية بهذا الغرور والأنانية والجلوس معا وانجاز اتفاق ضرورة تاريخي لمواجهة إسرائيل. فهذه لا يهمها من يجلس على كرسي السلطة بل يهمها الحيلولة دون بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية المستقلة.

وطالما أن الفلسطينيين يندفعون بكل تهور وطيش وأنانية نحو الاقتتال فإنهم لا يفعلون سوى تأخير قيام الدولة الفلسطينية بل ولربما القضاء على الإمكانيات الواقعية لقيامها بسبب أنانيتهم هذه وقصر نظرهم.

كاتب بحريني