«نرفض تدخل الولايات المتحدة في القرن الإفريقي مستخدمة مكافحة الإرهاب كغطاء».ربما نخمن أن صاحب هذا القول زعيم من طراز أحمدي نجاد أو هوغو شافيز. وإذن فمن المؤكد أنك ستندهش إذا عرفت أن القائل هو أسياسي أفورقي رئيس إريتريا ـ ذلك الزعيم الذي ظل لمدى نحو 15 عاماً ألصق حليف للولايات المتحدة، ليس في منطقة القرن الإفريقي فحسب بل في القارة السوداء على إطلاقها.

أكثر من ذلك فإن قول أفورقي الاستفزازي بشأن الوجود الأميركي الاستعماري للقوة العظمى تحت ذريعة مكافحة الإرهاب، ليس على خطورته مجرد كلام في الهواء. فقد أتبع القول بالعمل.. إذ إن للزعيم الإريتري الآن ألفي جندي في الصومال يقاتلون في صف واحد مع الإسلاميين «الإرهاب» أعداء الولايات المتحدة ضد «حكومة» صومالية أنشأتها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية كسلطة صريحة العمالة لواشنطن.

والسؤال الذي يطرح إذن هو: كيف ولماذا دار أفورقي إريتريا بسياسته الأمنية الخارجية بمقدار 360 درجة، أم أن الولايات المتحدة هي التي ابتدرت التغيير، وبالتالي فإن التغيير الإريتري هو مجرد رد فعل؟بوسعنا أن نستخلص الإجابة عن هذا السؤال الازدواجي من تصريحات الرئيس الإريتري نفسه.

نلاحظ في سياق هذه التصريحات أن انتقاد أفورقي للسياسة الأميركية تجاه القرن الإفريقي يقترن على الدوام بذكر إثيوبيا.

لقد ظلت إثيوبيا على مدى عهودها جميعاً ـ من عهد هيلاسلاسي إلى عهد زيناوي مروراً بعهد منغستو هايلا مريم ـ العدو الاستراتيجي الجيو ـ بوليتيكي الأكبر لإريتريا، وقد ضاعف في هذا العداء انتقال إريتريا من إقليم تابع لإثيوبيا إلى دولة مستقلة ذات سيادة في مطلع التسعينات. فلم تكد تمضي بضع سنوات على الاستقلال الإريتري حتى نشبت حرب بين الدولتين نشأت عن نزاع حدودي.

طوال هذه المدة ظلت الولايات المتحدة تحتفظ بعلاقة تحالفية أمنية مع كل من الطرفين. وبالنظر إلى تفاقم العداء بين الدولتين كانت العلاقة الأميركية مع كل منهما موضع حرج لواشنطن.

ومع توسع الحرب الأميركية على «الإرهاب» في منطقة القرن الإفريقي يبدو أن إدارة بوش قررت أخيراً حسم الحرج، فحصرت مراهنتها الأمنية في إثيوبيا وحدها.

وليس هذا قراراً غير صائب. فإثيوبيا تعتبر قوة إقليمية في إفريقيا ولها تاريخ طويل لمدى عقود متصلة في التآمر الأمني مع الولايات المتحدة بطول القارة الإفريقية وعرضها، ذلك أن مقر وكالة الاستخبارات الأميركية في العاصمة الإثيوبية أديس ابابا هو الآن الأكبر في إفريقيا قاطبة.

المتطلبات والضرورات الأمنية إذن هي التي جعلت الإدارة الأميركية تقرر الاستغناء عن خدمات إريتريا أفورقي.

وجاءت باكورة رد الفعل الإريتري بدخول إريتريا على خط الصراع الداخلي في الصومال وتحالفها مع سلطة «المحاكم الإسلامية» في حربها ضد قوات إثيوبية تدافع عن حكومة عميلة للولايات المتحدة. وفي هذا الصدد يصف الرئيس الإريتري إثيوبيا بأنها «مجرد أداة ودمية» بيد واشنطن. ومما يزيد الموقف تعقيداً أن الجبهة القتالية للمحاكم الإسلامية الصومالية تضم أيضاً مقاتلين يمثلون منظمات انفصالية إثيوبية.

والسؤال الأخير الذي يطرح هو: هل الانقلاب الأمني الإريتري على الولايات المتحدة يعكس تغييراً استراتيجياً، أم أنه مجرد تكتيك مرحلي؟

حتى هذه اللحظة.. لا ندري.