نشرت صحيفة Construction Week الصادرة في دبي افتتاحية بعنوان «تحسين ظروف العمال» قالت فيها إن حادث الحافلة الواقع في شارع الشيخ زايد بدبي بتاريخ 14 ديسمبر الجاري، والذي راح ضحيته ثمانية عمال، ذكرى مخيفة تؤكد على أن عمال البناء هم الأشخاص الأكثر عرضة للخطر في المجتمع. واهتم التقرير بشرح أوضاع العمالة في الدولة سواء فيما يتعلق بتأخير دفع رواتبهم أو الظروف المعيشية التي يقيمون فيها.
وعلى الرغم من إشادة الافتتاحية بقرارات الدولة من اجل تحسين أوضاع العمال، إلا أننا استغربنا الربط بين الحادث الذي تعرض له العمال وأوضاعهم بشكل عام في الدولة. الحادث حسبما قرأنا لم تكن أسبابه تأخير في رواتب العمال ولا سوء حالة الحافلة التي كانت تقلهم، ولا بسبب غياب إجراءات تنظيم السير في الطرقات، ولا بسبب السرعة الزائدة فقط، بل كانت هناك أمور أخرى تعود لثقافة هذه العمالة التي كانت سببا فيما تعرضوا له.
فقد أشارت زميلتنا صحيفة «جلف نيوز» منذ أيام في تحقيق صحافي إلى عادة منتشرة بين السائقين الآسيويين، وتقوم هذه العادة على المراهنات المالية. إذ يتنافس السائقون على توصيل العمالة والعودة في «أقل وقت ممكن» ليحصل السائق الذي يحقق الفوز على مبلغ يتراوح بين عشرين وثلاثين درهماً!!
حياة هؤلاء العمال الذين كانت تقلهم الحافلة كانت مرهونة إذن بمبلغ لا يتجاوز الثلاثين درهما، تنافس على تحصيله أبناء جلدتهم الذين تسببوا بطيشهم واستهتارهم وتهورهم في تغييب حياة ثمانية إخوة لهم وإصابة آخرين. قد يستخدم بعضهم هذه المراهنات دليلا آخر على ضيق حال هؤلاء السائقين الذين لجأوا للمراهنات لسد حاجتهم المادية.
لكن هذا الأمر مردود عليه، فالمراهنات جزء من ثقافة هذه الجاليات ليس في بلادنا فحسب بل في بلدانهم أيضا، ولو اعتبرنا ضيق الحال مبررا للرهان على حياة الآخرين وسلامتهم فلنبرر أيضا للسارق والقاتل ما يقدمان عليه بحجة ضيق ذات اليد وحاجتهما للمال.
ما نريد الإشارة إليه في النهاية هو أن ليس كل ما يتعرض له العمال من حوادث في هذه الدولة هو بسبب ما تواجهه هذه العمالة من ظروف عمل، ولا نريد أن تكون الدولة وشركاتها شماعة تعلق عليها كل صغيرة وكبيرة ذات صلة بهذه العمالة.
فالعمال بشر وينحدرون من ثقافات مختلفة ربما لا يجدي معها ما نضعه من قوانين وتشريعات ما لم نسع لاختراق وفهم ومعرفة الثقافة التي تعتبر مرجعية هذه العمالة والتي تحكم كثيراً من سلوكياتهم، وهو الحل الأمثل لحمايتهم وحماية مجتمعنا مما يتسببون فيه من مشكلات، بدل إسقاط اللوم كالمعتاد على الدولة وأرباب العمل واتهامهم بهضم حقوق العمالة في حين انه لا حول بأيديهم ولا قوة لمنع ممارسات يظلم بها العمال أنفسهم قبل أن يوقع الغير الظلم عليهم.