في منتصف ديسمبر الحالي جرت في إيران انتخابات المجالس البلدية ومجلس الخبراء الذي تتلخص وظيفته في انتخاب مرشد الثورة الإسلامية ومراقبته. ولأن الراديكاليين المحافظين يهيمنون منذ انتخابات العام الماضي على كافة السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية.
بما في ذلك تقييم المرشحين للانتخابات الأخيرة، فإن أنصار التيار الإصلاحي المؤيد للرئيس السابق السيد محمد خاتمي لم يستطيعوا تقديم مرشحيهم. ولهذا انحصر التنافس بين جناحي المحافظين - الراديكالي المؤيد للرئيس الحالي أحمدي نجاد بقيادة الأب الروحي آية الله مصباح يزدي والوسط المعتدل المؤيد للرئيس الإيراني السابق هاشمي رفسنجاني.
ورغم هذا الحصر فإن بارومتر الحياة الاجتماعية في إيران يشير من جديد إلى درجة عالية من التحفز. كانت هذه الانتخابات ذات مغزى انتقالي، لكنها شدت انتباه العالم وترقبه. واعتبرها بمثابة «التمرين العام» قبيل الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة في 2008 - 2009.
شارك في انتخابات مجلس الخبراء نحو 26 مليون ناخب يشكلون 60% ممن يحق لهم التصويت. وتعد هذه النسبة مرتفعة إذا ما قيست بعام 1998 حيث بلغت 46% فقط. الناخبون هذه المرة هم في الغالب الشباب الذين شكلوا قرابة 70% من القوة الانتخابية في البلاد.
وكما أن تصنيف القوى السياسية في إيران بين محافظين ووسط وإصلاحيين ويسار وغيرها لا تتطابق والمواصفات المأخوذ بها في المجتمعات المتطورة، كذلك فإن نتائج الانتخابات بدت غير خاضعة للمنطق إذا ما قسنا الأمور باعتبارات الثقافة السياسية الغربية. فلم يمض عام على فورة الثقة التي يتمتع بها الرئيس أحمدي نجاد في انتخابات الرئاسة الماضية حتى خبا نجمه في انتخابات ديسمبر الحالي.
نتائج هذه الانتخابات شكلت، كما في علم الرياضيات، «قيمة متجهة» حركت ميزان القوى السياسية في إيران من يمين المحافظة لجهة مركزها. في الانتخابات الرئاسية الماضية جاء الراديكاليون المحافظون على أنقاض الإصلاحيين الذين وجهت لهم سهام نقد قاتلة.
الآن تتجه هذه السهام إلى الذين أطلقوها بالأمس، لكن لم يفلحوا في الإبقاء على البلاد في إطار التطور المستقر والوطيد ولم يحققوا الوعود التي قطعوها على أنفسهم و«اشتروا» بها الناخب البسيط. لقد انقضوا على النهج الاقتصادي السابق لكنهم فشلوا في تحسين الحياة الاجتماعية للسكان. وفي حين حققوا نجاحات كبيرة على صعيد السياسة الخارجية خلال عام 2005، فقد قابلتها إخفاقات كبيرة على المستوى الاجتماعي.
اتجهت إيران بكل قوة لأن تصبح دولة إقليمية عظمى، لكنها سخرت من أجل ذلك جل الموارد الداخلية من نفط وغاز ومال. وسرعان ما شعر الشعب بوطأة تناقض السياستين الخارجية والداخلية على كاهله، ولذلك فلم يعد لادعاء الراديكاليين السابق بأن إيران لا تحكمها النخب، بل الناخب العادي أي معنى، ولذلك أيضا فلم يستطيعوا احتكار ثقة الناخب، ولم تجتذبه «الرائحة الزكية لخدمة الناس».
- وهو اسم قائمة أنصار الرئيس أحمدي نجاد. لقد أشاح الناخب بوجهه عنهم، لكنه لم يستطع العودة بصوته للإصلاحيين الذين غابوا عن ساحة المنافسة للأسباب التي ذكرنا أعلاه. ولم يجد بدا من تفويض أمره إلى وسط المحافظين بقيادة هاشمي رفسنجاني. وهكذا وجد «الكاردينال الرمادي» مصباح يزدي نفسه في ذيل قائمة الفائزين وبالكاد استطاع أن يدخل في عداد مجلس الخبراء الجديد.
الآن يمكن القول بكل ثقة ان السيد هاشمي رفسنجاني سيغادر موقعه كنائب لرئيس مجلس الخبراء ليحتل موقع رئيسه. وأثبت رفسنجاني أن هزيمته في انتخابات العام الماضي الرئاسية لم تستنفد خزين القوة الذي يتمتع به. لكن النتائج أثبتت أكثر من ذلك، أن الشعب الإيراني قد تعب من بدع السياسات التجريبية التي مارستها قوى اليمين المحافظ على حساب قوته وصحته وتعليمه وراحته، ناهيك عن حريته، وأنه يسعى نحو التطور المستقل والقابل للتنبؤ.
لقد تبلور هذا المزاج في المجتمع الإيراني على أساس مقدمات موضوعية. فرغم الورع والزهد والبساطة التي أبداها الرئيس أحمدي نجاد، وكذلك الاقتراب من مصالح الشعب والبعد عن الفساد اللذين أبداهما التكنوقراط المهنيون الذين ضمتهم حكومته، إلا أن كل ذلك لم يكن كافيا من أجل ضمان التطور الداخلي الثابت والوطيد.
كان من الضروري أيضا الوعي بأن تزايد الاعتماد المتبادل في عالم اليوم لا يسمح لأية دولة بالتعامل مع قضاياها الداخلية بشكل منفرد. وحتى ولو تمتعت هذه الدول بموارد طبيعية جبارة فدون فتح أبواب نقل التكنولوجيات المتقدمة إلى داخل البلاد وتوطينها، ودون خلق مناخ جاذب للاستثمار الأجنبي المباشر لا يمكن استغلال هذه الموارد بالشكل الأمثل. وينطبق هذا على إيران بشكل مضاعف، إذ انها تعاني من حصار أميركي فعلي مضروب حولها منذ زمن.
هذا التحول السريع في اتجاهات الناخبين يعطي إشارة جدية للقوى الحاكمة في إيران بأنه عاد من الضروري ليس فقط تغيير أولويات الدولة والتحول نحو استراتيجيات جديدة للتنمية، بل ويتطلب الأمر إحداث تحول نوعي من الأفكار «الراديكالية» إلى «المعتدلة» والبحث عن أفضل السبل لدخول إيران في النظام الاقتصادي العالمي، كشريك فاعل طبعا للحفاظ على المصالح الوطنية الإيرانية وتعزيزها.
والتجربة التاريخية الإيرانية نفسها أثبتت أن نوازع بناء الدولة الإقليمية الكبرى على حساب المصالح الداخلية للشعب لا تمر دون عقاب من الشعب. فعلى مثل هذه التربة تنامي سخط الجماهير إلى ثورة أطاحت نظام حكم الشاه المطلق.
لا نختلف في أن الأمر مختلف في إيران اليوم. فليس للحكومة أية معارضة جدية من خارج النخبة القابضة على السلطة بإحكام. ويمتلك المرشد الأعلى للثورة - الدولة كافة الأدوات لكي يغير أي رئيس حكومة لا يروق له. لكن الواضح أيضا هو أن الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة في 2008 - 2009 ستقف أمام قرار مصيري. فهناك سوف يتحدد الخيار السياسي بين المحافظين - راديكاليين ووسطيين معتدلين.
وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن غياب مرشحي جناح خاتمي «الإصلاحي» في انتخابات ديسمبر، إلا أن تياره دخل في تحالفات قوية مع وسط المحافظين أثرت كثيرا في أن تتجه النتيجة لصالحهم. هذا يعني أن خميرة التحولات بدأت منذ الآن تتفاعل لصالح «الإصلاحيين» الذين جاء بهم الناخب إلى الحكم عام في النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي، لكنه مل أيضا كثرة كلامهم وقلة إنجازاتهم فأطاح بهم فيما بعد.
وما دامت آليات «الديمقراطية» الخاصة من نوعها في إيران تدار بهذا الشكل المحكم يبقى على المواطن أن يدور في حلقتها المفرغة إلى أن يقضي الله أمرا يسمح للناخب أن يلتقي بمرشحين ليس من طبيعة النظام القائم وحده.
كاتب بحرينيي
ajnoaimi@gmail.com