ما الذي يحدث في مصر؟
مجموعة من طلاب الأزهر المنتمون إلى جماعة «الإخوان المسلمين» يقومون باستعراض قوة داخل حرم الجامعة مرتدين زي المليشيات، ملثمين، يقدمون عددا من فنون الاشتباك والقتال، مهددين طلابا آخرين من غير المنتمين إلى جماعتهم وأعضاء في هيئة التدريس أمام مكتب رئيس الجامعة!
ما كشف عنه وزير الشؤون القانونية والمجالس النيابية الدكتور مفيد شهاب حول ما قام به الطلاب الذين أطلقوا على أنفسهم «لجان الردع» خطير جدا. والأخطر منه هو ما كشفت عنه مذكرة وزارة الداخلية المصرية من وقوف عدد من قيادات الإخوان وراء الأحداث وقيامهم بتسليح الطلاب وتهريب المطاوي ومختلف الأسلحة البيضاء داخل سيارات أساتذة الأزهر المنتمين للجماعة.
والأخطر من هذا وذاك هو ما كشفت عنه النيابة في مذكرة معلومات من أن التحريات حول هذه الأحداث تشير إلى أنها مقدمة لإقامة دولة الخلافة الإسلامية في مصر. فما الذي يعنيه كل هذا إذا ما وضعناه في سياق تصريح المرشد العام للجماعة قبل شهور، عندما قال إن لديه عشرة آلاف شاب مستعدين للقتال في لبنان إبان حرب حزب الله الأخيرة؟
أليس من المنطقي أن يدفع هذا البعضَ للتساؤل عما إذا كان ما شاهدوه في جامعة الأزهر هو طليعة هذه القوات، ومحاولة لإقامة دولة داخل الدولة، خاصة وأن تنظيم الإخوان المسلمين قائم على أساس الانضباط الصارم والتسلسل القيادي من أعلى إلى أسفل، بالشكل الذي لا يمكن معه تصور قيام عدد من أعضائه - طلبة كانوا أم غير طلبة - بممارسة استعراض قوة على هذا النحو دون موافقة من قيادات عليا في التنظيم؟
حركة «الإخوان المسلمين» التي أسسها الشيخ حسن البنا عام 1928م تميزت منذ بداياتها برفع شعار «الشمولية» التي تعني العودة إلى الإسلام كاملا غير مقتصر على المسجد والعبادات، شاملا كل شؤون الحياة من الفرد والأسرة إلى المجتمع والدولة. وقد ظهر هذا الفكر واضحا في كتابات قادتها ومفكريها من أمثال حسن البنا وعبدالقادر عودة وسيد قطب ومصطفى السباعي ومحمد الغزالي ومحمد قطب وعمر التلمساني وغيرهم.
أما الأزهر فقد عُرف بدوره النضالي عبر العصور. فعلى منبره وبين أروقته تعالت صيحات الجهاد ضد الغزاة والمحتلين، بدءا من الصليبيين والتتار، ثم الفرنسيين إبان حملتهم التي انتهت باغتيال قائدهم «كليبر» على يد الفتى الأزهري الشامي سليمان الحلبي، ليكمل الأزهريون من أمثال عمر مكرم وأحمد عرابي وسعد زغلول مسيرة النضال بمقاومتهم للبريطانيين.
مصر التي نستشعر الخطر الذي يحدق بها كلما تناهى إلى سمعنا مثل هذه الأخبار هي (كنانة الله في أرضه التي ما طلبها عدو إلا أهلكه الله) كما عرفناها دائما.
هكذا كانت مصر عبر التاريخ، منذ أن شهدت ميلاد واحدة من أقدم الحضارات في تاريخ البشرية، تلك الحضارة التي نشأت على ضفاف النيل واستمرت أكثر من ألفي عام، لتكون واحدة من أطول الحضارات البشرية عمرا وامتدادا عبر التاريخ، مقدمة للتراث الإنساني الكثير من الإسهامات في كل مجالات الحياة. فعلى يدها تأسست أول سلطة مركزية في التاريخ، وفيها كانت معرفة الكتابة، ومنها كانت المساهمة في ابتكار العديد من العلوم كالحساب والهندسة والطب والفلك ومعرفة التقويم والتفكير في البعث والموت والثواب والعقاب.
وعلى مصر مرت مراحل تاريخية مختلفة خضعت خلالها لحكم الإغريق والفرس والرومان الذين انتهت مرحلتهم بالفتح الإسلامي على يد عمرو بن العاص عام 642م، لتشكل مصر بعدها جزءا مهما من الدولة الإسلامية منذ عهد الخلفاء الراشدين وحتى العصر الحديث الذي أصبحت فيه مصر تحتل من الأمة موقع القلب من الجسد، فكلما كانت مصر قوية معافاة كانت الأمة بخير وعافية، وكلما اعتلّت مصر وأصابها الوهن اعتلّت الأمة واعتراها الخور.
هذا ما أثبتته التجارب وأكدته حركة التاريخ قديما وحديثا. فقد كان فتح المسلمين لمصر مقدمة لفتح إفريقيا والتوغل فيها جنوبا وشمالا حتى الوصول إلى الأندلس حيث أسس المسلمون دولة وحضارة سوف تبقى مضرب المثل للجميع شرقا وغربا.
وعندما ضعفت مصر في عهد الفاطميين وجدها الصليبيون فرصة لغزو المشرق واحتلال فلسطين وفرض سيطرتهم على بيت المقدس، ليكون خروجهم منها بعد ما يقارب التسعين عاما على يد الجيوش التي انطلقت من أرض الكنانة تحت قيادة صلاح الدين الأيوبي لتخلّص الأرض المقدسة من أيدي الصليبيين الذين عادوا لشن حروبهم وحملاتهم لتفشل حربا بعد حرب وحملة بعد حملة.
ثم تكرر المشهد أيضا عندما اجتاح التتار العالم الإسلامي حتى وصلوا إلى فلسطين لتكون نهايتهم أيضا على يد الجيش الذي انطلق من مصر تحت قيادة الملك المظفر قطز في معركة «عين جالوت» الشهيرة. ثم أصبحت مصر مجسّا لقوة العرب والمسلمين وضعفهم إبان حكم الأتراك والفرنسيين إلى أن سيطر عليها البريطانيون بعد معركة «التل الكبير» عام 1882م ونفوا أحمد عرابي ورفاقه إلى خارج البلاد، ثم عادوا ليعترفوا باستقلالها عام 1922م شريطة وجود قوات لهم في البلاد، إلى أن قامت ثورة 23 يوليو عام 1952م لتكون نقطة البداية لتكملة مسيرة الاستقلال وحكم مصر من قبل أبنائها.
هذا التاريخ الطويل من النضال وضع مصر في الواجهة دائما، خاصة بعد ثورة 23 يوليو وقيادتها لحركة التحرر والاستقلال في العالم العربي. وكلما كانت وتيرة الوطنية والحماس ترتفع في مصر كانت هذه الوتيرة ترتفع في العالم العربي من مشرقه إلى مغربه.
وكانت حركات الثورة والتحرر من الاستعمار تستمد روحها من ثورة مصر. إلى أن جاءت نكسة الخامس من يونيو 1967م لتدخل مصر والعالم العربي كله في نفق مظلم، فكانت أشبه بالزلزال الذي ظلت توابعه تتوالى على العالم العربي حتى ردت حرب السادس من أكتوبر عام 1973م للعرب بعض الاعتبار، لتتوالى بعد ذلك الأحداث على الأمة التي عاشت بين مد وجزر كانت مصر ومازالت فيهما هي البوصلة دائما.
لهذه الأسباب كلها، ولهذا التاريخ الذي حفظناه منذ نعومة أظفارنا ونحن على مقاعد الدراسة، كان استقرار مصر عاملا مهما في المعادلة التي تمثل مصر القيمة الأساسية فيها. ولهذا أيضا كانت مصر مستهدفة دائما. فعندما يهتز أمن مصر الداخلي يهتز أمن الأمة كلها ونستشعر الخطر جميعا. حدث هذا عندما كانت مصر هدفا لأعمال إرهابية قادتها بعض الجماعات المتطرفة التي ترتكب جرائمها باسم الإسلام الذي هو بريء من العنف والتطرف وسفك دماء الأبرياء.
وحدث هذا أيضا عندما حاول أعداء مصر والأمة أن يشعلوا فتيل حرب طائفية بين المسلمين وإخوانهم الأقباط في مصر التي ضرب أهلها - مسلمين ومسيحيين - أروع الأمثلة في الإخاء والتعايش والانسجام. ويحدث هذا الآن ونحن نتابع الأخبار التي نستشف منها نذر خطر جديد يحيق بأمن مصر واستقرارها.
لهذا كله كان لافتا للنظر ما حدث في الأزهر من استعراض للقوة من قبل فئة من الطلبة ينتمون لتيار ديني له تاريخه المعروف في التنظيم السري، وكان ضروريا التعامل معه بحكمة بعد أن قدم الطلبة اعتذارهم عن سوء الإخراج أو إساءة الفهم لما قاموا به.
وكان مهما الاستماع إليهم وهم يُرجعون ما أقدموا عليه إلى أنهم لم يجدوا أي قنوات ليعبروا من خلالها عن أنفسهم حيث تم شطبهم من الانتخابات الطلابية الأخيرة وإقصاؤهم من التمثيل في الاتحادات الطلابية. ولأن أمن مصر من أمن الأمة، ولأننا جميعا نضع أيدينا على قلوبنا عندما تتعرض مصر المحروسة لأي خطر.
ولأننا نتمنى لها الاستقرار بعد كل الذي شاهدناه ونشاهده من اضطراب وفوضى في عالمنا العربي، ولأن مصر هي الأمل الذي نتطلع إليه للخروج من هذه الدوامة عندما تعود لقيادة الأمة كما كانت دائما، لهذا كله نتمنى أن تظل مصر محروسة من كل سوء، كي لا تنطفئ شعلة الأمل هذه فيعم الظلام عالمنا العربي الذي نتحسس بالكاد فيه مواضع أقدامنا.
كاتب إماراتي
aliobaid2000@hotmail.com