تكاد مشكلات المنطقة أن تصبح كلها مدوّلة. على الأقل الساخنة منها. وهي التي تنطوي على مخاطر وصواعق تهدد ساحاتها الداخلية في أمنها كما في مصيرها. فضلاً عن تهديدها للجوار الإقليمي برمته.
رزمة من القرارات أو الخطوات أو العقوبات الدولية، باتت تزنرها وتضعها في عهدة الأمم المتحدة والقوى النافذة فيها. وبالتحديد واشنطن. أزماتها تفاقمت إلى حد جعلها مادة قابلة للتسويق في مجلس الأمن، وبالتالي هدفاً لقرار دولي يزيد من تكبيلها واستهدافها بالمراقبة وفرض الانصياع عليها. هكذا هو حال الوضع العراقي، الواقع تحت قبضة الاحتلال وما تناسل عنه من تمزيق داخلي بات يهدد بأفدح العواقب.
كذلك هو حال الوضع اللبناني الذي صدرت بخصوصه عدة قرارات، وضعته تحت جملة من الاستحقاقات التي تثير وتؤجج خلافاته الداخلية. وهي ذاتها، إلى حد بعيد، الحالة التي يعاني منها الواقع الفلسطيني بفعل قرارات أميركية وأوروبية، أدت إلى فرض حالة حصار قاسية عليه.
ومثلها الحالة السودانية في دارفور. وأول من أمس انضمت إيران إلى القائمة بالقرار 1737 الصادر عن مجلس الأمن الدولي والذي فرض عقوبات، ولو محددة، عليها. وبذلك تكون المنطقة قد أمست محكومة تقريباً بالقرار الدولي؛ بشكل أو بآخر.
شق مهم من هذه الحالة، ساهمت فيه سياسة القطيعة التي اعتمدتها إدارة الرئيس بوش، تجاه قوى وأطراف فاعلة ووازنة على أرض هذه الساحة أو تلك؛ في المنطقة. أما الشق الثاني فقد أدت إليه حالة القطيعة السائدة وانعدام الاتصال والتواصل، بين الجهات المتعاركة، فوق هذه الساحات. وبقدر ما الأول أميركي استنسابي انحيازي مجاف للواقع والأحوال المعمول بها؛ بقدر ما الثاني محلي داخلي، بصرف النظر عن كوامنه ومؤثراته وامتداداته غير المحلية.
الخطر في الأمر أن هذا الأخير تمادى إلى الحد الذي أتاح معه التسلل إلى باحة الشأن الوطني سواء كان هذا التسلل إقليمياً أو دولياً. وبذلك بات ما كان من المفترض أن يعالج بالحوار والتفاهم الداخليين، مفروضاً على أطرافه الالتزام بالحلول والمخارج التي تحددها المشيئة الدولية كما بات ما كان من الأفضل التعامل مع إشكالاته بالتفاوض، موضوعاً لقرار دولي ملزم؛ تحت طائلة رفع كلفة التمرد على ما هو مطلوب.
في القلب من هذه الحالة «التدويلية» تكمن إشكالية ثقافة الحوار، في المنطقة. فهي بضاعة تبدو غريبة. سوقها كاسدة. الخبرة في مجالها، فقيرة. وأصلاً مقتضيات الحوار غير متوفرة. فهي تتطلب مرونة وتنازلات وأخذاً ورداً. السائد، في المقابل، هو العكس الأمر الذي يوفر المدخل المغري للتسلل الخارجي واختراقاته وبالتالي ازدياد الارتهانات المحلية له، بحكم الحاجة إلى الاستقواء به.
وفي حالات أخرى، تقع المراهنات على أوراق قوية باليد في المبالغة. وعندما يتعذر التراجع ينتهي الملف على طاولة مجلس الأمن.وبالتالي تتراكم الاستحقاقات؛ التي تترتب عليها أعباء وأكلاف إضافية، كيفما كان التعامل معها؛ وذلك في مرحلة باتت المنطقة تنوء تحت أعباء الفواتير الداخلية والدولية، مأزق لا يبدو أن الخروج منه ميسور إلا بالعودة إلى الحوار والتوافق؛ على الصعيدين الداخلي والإقليمي بالأساس.