ها هو الكيان السياسي الفلسطيني الوليد ينضم إلى ركب أمثاله من الأنظمة العربية التي تتشبث بلا هوادة بإنكار أحد أهم حقوق المواطنة وهو حق الناس في الاختيار الحر لمن يعتبره المواطن، اي مواطن، جديرا بأن يحل مكانه وينطق بلسانه في الهيئات التشريعية للوطن، أي وطن.
ها هي السلطة الفلسطينية المهيمن عليها، حتى عن بعد، من قبل فصيل بعينه تثبت مرة تلو الأخرى بأنها طرف أساسي في الصراع السلطوي الدائر في قلب المعادلة السياسية الفلسطينية، وبما أنها كذلك فإنها لا تتوانى عن اللجوء إلى أي وسيلة قد تحسم هذا الصراع المنحرف عن مساره الطبيعي لصالحها.
حتى الآن، تشير المعطيات كافة إلى وصول هذه الأزمة إلى عنق الزجاجة أو أعلى بقليل، ذلك أن الحكومة الفلسطينية بقيادة حماس باتت محشورة في الزاوية بفضل الجهود الحثيثة .
ولكن غير المحمودة المبذولة على جميع الصعد الفلسطينية والعربية والدولية بهدف تضييق الخناق عليها ومن ثم توجيه الضربة القاضية إلى قلب تجربة ديمقراطية نزيهة وهي لما تزل في مهدها وقبل أن ترى النور وتقف غلى قدميها بما يترتب على ذلك من بث العدوى في عروق الشارع العربي التواق رغم سباته الطويل إلى حرية لطالما افتقدها .
كما بات في حكم شبه المؤكد أن المخرج الوحيد الذي لم يتبق أمام حكومة حماس سواه إنما يتمثل في التوافق مع البرنامج المرحلي المعتمد في الميثاق الوطني الفلسطيني والذي تتبناه منظمة التحرير الفلسطينية، التي يبدو أن مشاعر الغيرة عليها آخذة في التأجج منذ أن فقد الكثيرون من رموز حركة فتح مناصبهم في الحكومة الفلسطينية السابقة التي كان يقودها هذا الفصيل الفلسطيني.
صحيح أن هذا التوافق مطلوب وطنيا في هذه المرحلة الحرجة من عمر القضية الوطنية الفلسطينية، لكن المشكلة تكمن في أنه يأتي في سياق عملية ابتزاز دنيئة يمارسها بعض رموز السلطة بمؤازرة أطراف عربية ودولية فاعلة منذ لحظة وصول حركة حماس إلى سدة الحكم في الضفة الغربية وقطاع غزة.
هي تجربة لا تخرج باعتقادنا المتواضع عن الطبيعة السياسية التي اتسمت بها بعض أنظمة الحاضنة العربية الغاصة بتجارب من هذا القبيل تمتد من المحيط العربي إلى خليجه والمستهدف دائما هو المواطن .
ومفهوم المواطنة وما يترتب على ذلك من تدابير استراتيجية جدية تتخذها الدول القائمة في حاضرتنا العربية على حساب إرساء القواعد اللازمة لنشوء مجتمع مدني سليم معافى يتمتع بكل ما يلزمه من إمكانات تضمن نجاح أي تجربة ديمقراطية محتملة في المنطقة، فضلا عن أن هذه الدول تتلقى كل الدعم اللازم من جانب القوى الدولية الفاعلة، التي لا تألو جهدا إلا وتبذله في سبيل تدعيم وترسيخ الكيانات العربية القائمة وأنظمتها السياسية الهشة، التي أنشأت في الأصل تماشيا مع مصالح القوى العالمية العظمى.
فلقد دأبت الأنظمة العربية عموما على ممارسة سياسة فريدة من نوعها على مر تاريخها وهذه السياسة منصبة في المقام الأول على إبراز مخاطر حقيقية أحيانا أو مبتكرة في غالب الأحيان والمبالغة فيها إلى الحد الأقصى ووضعها وجها لوجه أمام استقرار الدولة على حساب مفهوم المواطنة ومتطلباته طبعا.
الأمر الذي يوفر أرضية خصبة أولا لإعلان حالت الطوارئ ووضعها قبالة أي تجربة ديمقراطية تحاول الخروج من شرنقة تحولت قشرتها إلى أصفاد فولاذية لا قدر على كسرها إلا لدى مجتمع يؤمن أفراده بالحياة المدنية ويحترمون قواعدها وثانيا لنشوء صراعات داخلية مستديمة لن يرى حلها النور قط ما دام النظام الرسمي العربي على حاله.
المؤسف في الأمر هو أن الآلة الإعلامية المغرضة التابعة للنظام الرسمي العربي ومن ضمنه الكيان الفلسطيني الوليد تمكنت من تحويل مقولات المجتمع المدني والحياة الديمقراطية إلى ألفاظ جوفاء وشعارات طنانة لا معنى لها .
ومن ثم راحوا يغرفون من هذا القدر أصفر اللون كل أنواع السموم السياسية ليرشونها كلما طاب لهم أو دعت الحاجة إلى ذلك على كل شخص أو هيئة أو منظمة يحاول الانفلات من عقال واقع مظلم حالك السواد والخروج إلى عالم تضيء أنواره أربع أرجاء الأرض.
إن منظمات المجتمع المدني واحترام الهيئات الرئيسية الثلاث التي يقوم عليها هذا المجتمع (التشريعية والقضائية والتنفيذية) لهي ضمانة لا غنى عنها لتأمين عدم السقوط في المستنقع المر والتمرغ في وحل الصراعات الداخلية الفتاكة دوما.