المصالحة من الخطوات المهمة التي تصل اليها الأطراف المتضادة أو المتصارعة لايجاد الحلول العملية للمشاكل الداخلية العالقة التي تهدد بنشوب الحرب الأهلية أو التي تأتي في أعقاب وقوع حرب أهلية.

وهذا المفهوم عرفته ومارسته العديد من الدول والشعوب كمخرج وحيد يقيها شرور الحروب الأهلية أو يطفئ فتيلها. والمصالحة تختلف عن المعاهدة في ان الأولى تأخذ الطابع غير القانوني في شروطها الأولية ثم بعد ان يتحقق القبول لشروط المصالحة يمكن ان يصار إلى تقنينها في اطار قانوني. وقد يتم الاكتفاء بميثاق شرف يتفق عليه الأطراف.

وفكرة المصالحة تنبع اساساً من منطلق النوايا الحسنة الراغبة في ايقاف التناحر بين الفرقاء عرقياً أو مذهبياً. ورغم ان الجهود الدولية ضرورية لتطبيق المصالحة الا ان المصالحة النابعة من ارادة وطنية واعية تعتبر أكثر عملية وجدية وأكثر تحققاً على أرض الواقع.

ما تقدم يقودنا إلى المصالحة العراقية والمتمثلة في المبادرة التي اطلقتها حكومة نوري المالكي منذ تشكيلها والذي استلزم اكثر من ستة اشهر لتخرج إلى العلن حكومة متكونة من اطراف غير متصالحة. ومنذ ان تم اطلاق تلك المبادرة وجميع الأطراف السياسية العراقية تدور في دوائر مغلقة تحاصرها الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية التي يبدو ان لا انفكاك منها.

مؤتمر المصالحة العراقية الذي عقد مؤخراً في بغداد والذي جاء تالياً لتطورات مهمة كلقاء المالكي مع الرئيس الاميركي في عمان والطالباني مع الرئيس الايراني. ثم وصايا لجنة بيكر التي شكلت منعطفاً خيراً في السياسة الخارجية الاميركية، مثل خطوة مهمة وضرورية في وقت اضحى الوضع في العراق شديد الانحدار نحو اسوأ انواع الحروب الأهلية التي شهدها العالم.

في هذا المؤتمر وكما هو حال جميع اللقاءات السياسية العراقية بدا واضحا ان الامنيات كانت ابعد من الامكانيات، وكذلك التناقض كان اكبر من التوافق. هذا بالاضافة إلى ان الخطب التي القيت من قبل قادة الكتل السياسية المهمة انما تعكس واقعا ان الجميع جاء متمسكاً بما يؤمن به وبالتالي فإن اهم شروط المصالحة تم نقضها مقدماً لأن من يأتي إلى التصالح يجب ان يكون قد القى بثوابته مقدماً وبالتالي يكون هناك وعي بأن المصالحة تتطلب التنازل المتوازن وصولاً إلى الحلول.

اتساقا مع ما سبق لابد من ان نطرح سؤالاً مهماً هو ما الذي يجعل المصالحة العراقية تصل إلى الطرق المسدودة؟ الجواب على هذا السؤال في الواقع يقتضي أولاً معرفة الحقائق التالية:

أولاً: غياب قيادات محددة للتنظيمات او الميليشيات التي تعتبر المسؤول الأول عن حوادث القتل الطائفي والتفجرات والاختطافات عن المؤتمر وهذا الامر لم يعد مقتصرا على تلك التنظيمات السنية بل كذلك تلك الميليشيات الشيعية. وبالتالي فإن المصالحة تتم بين قادة لا يمثلون سوى انفسهم او مجموعة محددة من الانصار والمريدين وليس القيادات الحقيقية التي تقود الشارع العراقي، حيث لم يتم الاشارة بوضوح عن ان هناك ممثلين داخل المؤتمر لأهم التنظيمات المسلحة العاملة في العراق.

وبالتالي فإن غياب تلك القوى المسلحة عن هذا المؤتمر يعطي اشارة واضحة بأن تلك القوى المسلحة لا تريد المصالحة وفق شروط الحكومة العراقية وان غاياتها اضحت تتعلق بالايديولوجيات المتشددة. وليس بمصلحة العراق الذي يمثل في الواقع ساحة معركة لمعظم تلك الجماعات المسلحة.

ثانيا :اهداف الكتل السياسية الكبرى المشاركة في المصالحة ليست في الواقع اهدافا وطنية خالصة نابعة من البحث عن مصلحة العراق ككل والعراقيين جميعا بل ان كل زعيم سياسي جاء يدلي بدلوه لصالح مريديه معتقدا ان الآخرين في جزيرة اخرى في حين ان ما يحدث اليوم هو اذى يطال كل العراقيين دون استثناء.

وان كل العراق لن ينجو من الكارثة اذا ما استمر الوضع على ما هو عليه فلو فكر هؤلاء القادة قليلا سيجدون ان استمرار الوضع ليس اسوأ من اعطاء بعض التنازلات على الاقل لكي تبرئ تلك الكتل السياسية ساحتها من ما يجري فيتم حصر المجرم الحقيقي هذا اذا كانت هناك نية فعلية لايجاد المجرم وليس التستر عليه.

فالعملية السياسية اضحت مصابة بالشلل والقادة السياسيون اضحوا يتخبطون بالاتجاهات المتعددة التي تحركهم وفقا لمصالحها. وبالتالي فإن الحكومة تحتاج هي نفسها إلى مصالحة بين اطرافها المتقاطعة الاتجاهات والاهداف.

ثالثا :في اي مؤتمر مصالحة او سلام لابد في البدء من الاتفاق على امرين اساسيين الأول، ان خروج القوات الاميركية هو امر متفق عليه من قبل كافة الاطراف وان الجميع سواء في الحكومة اوخارجها سيعمل على ذلك. اما ان تتمسك بعض الاطراف ببقاء القوات الاميركية لأنه عنصر ديمومتها وبقائها في الحكم فذلك يعني انهيار لاي مصالحة، لأن التزام الحكومة باخراج المحتل سيحقق مسألة مهمة تحتاجها الحكومة العراقية .

وهو ان تثبت عراقيتها الصميمة وانها تبحث عن مصلحة العراق وتحريره والخطوة الاهم التزام الحكومة بأن تبعد اي نوع من انواع التأثير الاقليمي وخاصة من ايران اللاعب الأخطر في القضية العراقية.

ثانيا، ان تلقي كافة الأطراف السلاح، دون شرط او قيد وتحت اشراف الحكومة اما ان يكون عنوان المصالحة القضاء على الارهاب او تنظيم القاعدة التي تلطخت ايديهم بدماء العراقيين والصداميين والتكفيريين وما إلى ذلك من المسميات المستوردة، فإن من الاسف القول بأن المصالحة ستكون غير مجدية. لأن الشارع العراقي هو ادرى الناس بقتلته من أين يأتون ومن هم؟

وختاماً لا بد من القول ان المصالحة تعني ان الجميع يجب ان تتوفر لديهم النية الوطنية الخالصة على ان يحققوا تغييرا على ارض الواقع لانتشال العراق كل العراق من مستنقع الموت. اما الاطالة والمزايدة والفوضى الفكرية وتشتت الولاء في الحقيقة سيحول المصالحة او اي خطوة وطنية إلى كتابة فوق الماء لا اثر لها ولا طعم ولا لون.

كاتبة عراقية