في خضم الحدث الانتخابي الأول الذي عشنا تجربته، وفي خضم تلك الفرحة التي كانت تغمر نفوسنا ونحن في مركز دبي التجاري، وفي قاعة راشد بالتحديد، ونحن متأهبون للإدلاء بصوتنا لمن يستحقه، رجلا كان أو امرأة، ولمن يمتلك الكفاءة الشخصية والمجتمعية التي من خلالها سيكون قادرا على تمثيلنا بالشكل الأفضل في المجلس الوطني.

وفي وجود نساء ورجال من مختلف الأطياف والخلفيات لا يسكنهم، كما تبدى لي على الأقل أو كما كتب في برامجهم الانتخابية، غير هاجس حب الوطن ونصرته وتمثيل الشعب وتبني همومه بكل أطيافه وفئاته، بانت لنا صورة أخرى وتبدى لنا أنه لكل قاعدة شواذ.

فقد كشفت لنا بعض المواقف من بعض الرجال عن وجه آخر متناقض تماما مع الصورة الجميلة التي كانت ماثلة أمام الجميع في ذلك اليوم، تلك الصورة التي مازالت تسكن أفئدة الكثيرين، والمتمثلة في الحضور الجمعي النسوي والرجولي المواطن في قاعة راشد للمشاركة في هذا التجمع الانتخابي، رجالا ونساء من مختلف الأعمار يحملون الوطن والمواطن بدواخلهم، بدون مزايدات على أهلية فئة دون أخرى.

شواذ الصورة الجميلة التي اختبرناها في ذلك التجمع الانتخابي بانت في مواقف بعض الرجال من أعضاء الحملة الانتخابية المتحيزة ضد المرأة والمشككة في قدراتها على الممارسة السياسية، والتي تجلت بوضوح في عدم إعطاء الغالبية منهم أصواتهم للنساء المرشحات.

وهذه المواقف السلبية ليست مبنية على مشاهدات واقعية، لأن الواقع يعكس لنا غير ذلك، فالمرأة متحملة للمسؤولية وتعمل على خدمة مجتمعها بشكل كبير، ولكنها مواقف مبنية على نظرة لا أعرف في الحقيقة ماذا أسميها في هذه المرحلة التاريخية التي تراجعت وانحسرت فيها كثير من المفاهيم السابقة التي من الممكن أن تصف لنا هذا الوجه الذكوري الآخر؛ فلا أستطيع هنا استخدام مصطلح مثل الرجعية أو التخلف.

ونحن نعيش هذه المرحلة التاريخية المتجاوزة لكل المعايير التقليدية، والتي تتسارع فيها التطورات والتغيرات بحيث أنها تصل لحد التزامن مع كل رمشة عين.

ولا أستطيع أن أسميها شيفونية رجولية في الوقت الذي تتراجع فيه طروحات النسوية الراديكالية وتحل محلها طروحات أكثر اعتدالا واحتفالا بسمات الأنوثة والذكورة على حد سواء. كما أنني لا استطيع أن أسميها تخلف سياسي في الوقت الذي تمنح فيه قيادتنا ودساتيرنا ومواثيقنا السياسية والاجتماعية المرأة كل حقوقها الدينية والمشرعة دوليا.

وهنا أتساءل عن ماذا يمكن أن نسمي قول أحد أعضاء الهيئة الانتخابية «لا تعطون صوتكم حق حرمه»، في الوقت الذي يرشح فيه نفسه للمجلس الوطني لتمثيل أبناء شعبه رجالا ونساء! وكيف يمكن أن أثق، أنا المرأة المواطنة في مصداقية من يحمل هذه الرؤية؟ كيف يمكن لي أن أثق في أن مثل هذه الشخصية من الممكن أن تعبر عني وتتكلم بصوتي وتحمل همي؟ وكيف لمرشح بهذه العقلية وبهذه النظرة الدونية لي كامرأة أن يستشعر همومي ومطالبي ويتبناها ويعمل على نصرتها؟

ماذا يمكن أن نسمي نصيحة أحد أعضاء الهيئة الانتخابية لأحد العضوات المرشحات لأنفسهن بعدم المحاولة لأن ولا واحدة منهن سوف تفوز، وكأن الموضوع محسوم سلفا، فعلى حد قوله «لا تعذبون عماركم وترشحون نفسكم، لأنه محد بينتخبكم. أنا ألف الميالس وأسمع رمسة الريايل ومحد منهم بيعطيكم صوته»!

في خضم هذه التساؤلات ومحاولتي لإيجاد تسمية وتفسير لهذه الظاهرة لم يتبادر إلى ذهني سوى مفهوم التلكؤ أو التراجع الثقافي الذي تحدث عنه عالم الاجتماع الأميركي ويليم أوجبرن، الذي درسنا نظرياته مع آخرين من المنظرين العالميين في مرحلة دراساتنا العليا.

لقد تحدث أوجبرن عن مفهوم التلكؤ الثقافي في أهم دراسة اجتماعية قام بها عن «التغير الاجتماعي» في سنة (1922)، والتي ناقش وحلل فيها الجوانب الملموسة في التغير الاجتماعي. يقول أوجبرن أن الثورة والتغير الاجتماعي مسألتان لا يمكن تجنبهما، فهما حادثتان لا محالة، غير أن الاختلاف يقع في التطور الثقافي، أو حدوث ما أسماه التلكؤ الثقافي في بعض المجتمعات.

ويعود إلى أن العقل الإنساني والقدرات الإنسانية للتكيف وتقبل التغيير غير متوائمة، أو لا تجاري التطورات المادية والتكنولوجية، وهذا يؤدي إلى إيجاد فجوة واضحة بين التطورات المادية والتكيف الاجتماعي المتلكئ لكثير من الجوانب الاجتماعية، خاصة القوانين والعادات والتقاليد والقيم.

مما يفسر لنا بدوره تراجع التغير في كثير من الأبنية الثقافية، خاصة الفكرية والقيمية منها، ويجيب على تساؤلاتنا حول لماذا يقاوم بعض الأفراد ويرفض بعض التغيرات المجتمعية، مثل مشاركة المرأة، والتي تتطلبها التغيرات على المستويات المجتمعية الأخرى. إن التلكؤ الثقافي هذا.

كما يقول أوجبرن، يشكل إعاقة لنمو المجتمع، قد تعمل بشكل أو بآخر على ضمور وتلاشي كثير من الجوانب الاجتماعية والثقافية المهمة للرقي بالوجود الإنساني وبيئته الاجتماعية.

من الواضح، وكما أثبتت لنا ممارسة العملية الانتخابية، أننا نعاني نوعا من التلكؤ الثقافي، وأقول «نعاني» وليس «يعاني البعض منا»، لأنه كانت هناك أيضا فئة من النساء اللاتي رفضن إعطاء صوتهن لبنات جنسهن، لأنهن يعانين في نظري أيضا من حالة التلكؤ الثقافي الذي تحدث عنها أوجبرن؛ فنحن فعلا نعيش كثيرا من التحولات المادية والاقتصادية وحتى السياسية، إلا أن هذه التحولات على ما يبدو لا تعمل على تغيير وتطوير ما يسميه بعض علماء الاجتماع «قلب التغيير» والذي يقصد به الثقافة في معناها القيمي.

فلكل تغير هناك قلب أو مركز، وقلب التغير الاجتماعي هي الثقافة، والتي هي عبارة عن قيم وعادات وسلوكيات يتفق على صحتها وأفضليتها الناس حتى لو لم تكن كذلك.

ويتم تطبيع الإنسان عليها من خلال عملية التنشئة الاجتماعية، بحيث يتشربها الإنسان ويقبلها على أساس أنها الشيء الطبيعي، الفطري، السوي والأفضل لصلاح المجتمع واستقراره. تصبح هذه القيم أقوى وأثبت، حتى لو كانت خاطئة، إذا ما تمت ممارستها على أنها حقيقة مطلقة وبأنها الأفضل بدون أدنى شك، وإذا ما تقمصها الإنسان بتطرف حتى يكون النموذج والرمز الثقافي لأبناء مجتمعه والأقرب «للقلب».

وأحب أن أنوه هنا أنني لا أعني أن هناك ضرورة لتغيير كل أوجه الثقافة، فلدينا من الجمال في قيمنا الثقافية ما يجعلنا نفتخر ونزاحم به الأمم، ولكن هناك قيم وأعراف مجتمعية بالية ورجعية مازالت تحتل مركز القوى في ثقافتنا، ونحن في حاجة أكثر من أية وقت مضى أن ننظر إليها بعناية ونسعى لتعديلها، لأنها أصبحت عائقا يؤجل كثير من مشاريعنا النهضوية البشرية بشكل خاص.

وجدير بالذكر هنا، إن هذه المواقف الرجولية والنسائية السلبية والمشككة في إمكانيات المرأة وقدراتها على اتخاذ القرار السياسي، ووجود هذا التلكؤ الثقافي غير المتكافئ تماما مع التغيرات المادية الحادثة في المجتمع، يقودنا إلى إدراك حقيقة أن مؤسساتنا التعليمية والإعلامية، والتي هي اليوم مشاركة بدرجة كبيرة في عملية التنشئة الاجتماعية ومسؤولة عن تشكل الكثير من الأفكار والقيم، فشلت في تغيير الصورة النمطية للمرأة، إن لم تكن قد عملت على تعزيزها.

وما حصل في ممارستنا الانتخابية ما هو إلا مؤشرات من المفروض أن نستدل من خلالها على جوانب الخلل ونحاول تعديلها. لأن مثل هذا الوعي المغلوط عن المرأة وحقوقها لن يسندنا في مواجهة تحديات العولمة التي تواجهها ثقافتنا الحقيقية،وليست الشكلية، وأنظمتنا المجتمعية المختلفة. فنحن اليوم أكثر من أي وقت مضى بحاجة لكل يد مواطنة، يد رجل كانت أو امرأة، حتى نستطيع الوقوف بصمود أمام ما يواجهنا من تحديات عالمية، لا تعمل فقط على تهميشنا ولكنها تسعى لتقويض وجودنا.

جامعة الامارات

albaharm@yahoo.com