كيف يجوز للإدارة الأميركية أن تسمح لنفسها بالتدخل علناً في الشأن السوري الداخلي، بينما في الوقت نفسه تتهم سوريا بالتدخل في الشأن اللبناني الداخلي؟!
في الأخبار أن الولايات المتحدة تدعم منظمات سورية معارضة للنظام الحاكم، بما في ذلك تمويل هذه المنظمات بهدف المساعدة في إسقاط نظام الرئيس بشار الأسد، ولم تكذب واشنطن هذه الأخبار بل العكس تماماً، فان المتحدثين الرسميين باسم إدارة بوش أكدوا عليها قائلين: إن للإدارة مخططاً يجري تنفيذه بالفعل لمساعدة المنظمات المعارضة في العملية الانتخابية البرلمانية في سوريا التي من المقرر أن تجرى في مارس المقبل.
وفي تبرير هذا التدخل اللامشروع تقول الإدارة الأميركية: إنها ملتزمة بسياسة «لنشر الحرية» تجعل من «تطوير الديمقراطية في الشرق الأوسط أولوية للرئيس بوش». وفي هذا السياق تتحدث الإدارة عن «مساعدة الشعوب في المنطقة التي تريد المشاركة في انتخابات حرة وعادلة تتطابق مع المعايير الدولية».
ومن شأن هذا التبرير والتدخل الناشئ عنه أن يفرز عدة تساؤلات من أبرزها ما يلي:
أولاً: إذا كانت الولايات المتحدة تحترم حقاً العمليات الانتخابية الحرة والعادلة التي تتطابق مع المعايير الدولية، فلماذا لم تشأ أن تحترم نتائج الانتخابات الفلسطينية عندما اكتسحت حركة «حماس» تلك الانتخابات في يناير، علماً أن الإدارة الأميركية أقرت بنزاهة العملية الانتخابية؟
لقد كان رد الفعل الأميركي على هذه العملية الديمقراطية النظيفة «مكافأة» الحكومة المنتخبة بفرض حصار اقتصادي لإفشالها.
هذا المسلك الأميركي القبيح يعيد إلى أذهاننا رد الفعل الأميركي في مطلع التسعينات عندما اكتسح الإسلاميون الانتخابات النيابية في الجزائر. آنذاك لم تستهجن إدارة بوش الأب هذا الانتصار الديمقراطي فحسب، بل أيدت ودعمت تدخل الجيش حينما أتى بحكومة انقلابية وضعت نهاية للعهد الديمقراطي الجزائري.
ثانياً: كيف تدعم واشنطن المعارضة في سوريا، ولا تدعم المعارضة في غيرها إذا صح أن الولايات المتحدة تؤمن حقاً بمبدأ نشر الديمقراطية في المنطقة على الإطلاق بغض النظر عن هوية النظام الحاكم؟
ثالثاً: إذا كانت الولايات المتحدة تأخذ على كل من سوريا وإيران انهما تتدخلان في الشؤون الداخلية اللبنانية، فكيف يجوز لها أن تفرض نفسها وصياً على الشعب السوري إلى درجة التدخل العلني من أجل نصرة فريق المعارضة على فريق السلطة؟
مع ذلك نقول إنه تدخل غبي لأن دخول الولايات المتحدة على الخط لدعم أي تنظيم عربي في أي بلد عربي من شأنه دمغ هذا التنظيم تلقائياً بالخيانة في نظر الفئات الشعبية.
وبعد فإن ما تتطلع إليه سوريا حكومة وشعباً هو استرداد أرضها في الجولان الواقعة تحت قوة احتلالية تتحالف معها الولايات المتحدة في إذلال السوريين قاطبة.
بالقدر نفسه فإن المعارضة الشعبية في لبنان أصبحت هدفاً للعداء الأميركي الراسخ فقط لأنها خصم استراتيجي يهدد إسرائيل في أمنها ووجودها كجسم غريب على المنطقة.
ما تريده أميركا حقاً هو خلق اصطفاف لأنظمة عربية لا أولوية لها، فرادى أو مجتمعة، سوى قمع أي قوى داخلية تنطوي شعاراتها على تهديد لأمن الدولة اليهودية.