وساطة السيد عمرو موسى أمين الجامعة العربية، حكم عليها بالفشل من خلال تجارب سابقة، رغم أن الموضوع مشكلة لبنانية، متداخلة عربياً وإقليمياً، ويعود السبب أن اللبنانيين على افتراق دائم تقسمهم حالتهم الداخلية، وتمزقهم الولاءات التي تتحرك من خلال صفقات الأفراد ومصالحهم بالنيابة عن أحزابهم ومليشياتهم، ومن يتحركون على الأرض بالاعتصام، أو الرشاشات.
عمرو موسى لم يستعمل دبلوماسية (الشيك المفتوح) حتى يغلق فم هذا، ويرفع درجة قبوله الوساطة، ولا يستطيع منح ذاك هدية مالية أو ثمينة، بنفس الوقت لم يذهب وسيطاً يهدد بالأسطول الرابع أو تحريك البوارج والطائرات شبيهة المدن العسكرية المتحركة، وتبعاً لنقض هذه الإمكانات ذهبت رحلته المكوكية إلى فشل تام بإقناع أطراف الخلاف بترضيات دبلوماسية طالما الجميع له عند كل متنفذ خارجي وعربي أوامر تقبل التنفيذ، أو التعطيل.
مغامرة صعبة أن تضع دولة أو هيئة سياسية أو دينية نفسها وسط ضباب الأمة العربية التي عجزت أن تعرف طريق مساراتها، وسيطاً مقبولاً يتكلم بالحق، ومعادلته بالحوار الصادق والذي من أجله تضيع الفروقات بين خيار الوطن كجامع لشتات المواطنين، أو رفع سقف رغبات صناديد الأحزاب، والطوائف.
فقد أعيت الحيلة الوسطاء من أصحاب النوايا الحسنة في حل إشكالات عربية كخلاف المغرب والجزائر، والسودانيين، واللبنانيين مع بعضهم، ولم ينفع القسم في مكة المكرمة أن يدفع بالعراقيين إلى احترام المكان، بالتزام العهد بينهم، ولذلك سقطت الدكتاتوريات، ولم تنجح الديمقراطيات حتى أن الدول التي سجلت أكبر معدلات التقاتل الداخلي، ترحمت على زمن الاستعمار، وأخرى قد ترى بالدكتاتوريات ضرورة يجب إعادة حكمها ضماناً لأمن داخلي لا يتحقق إلا بأساليب العنف.
ترسخت لنا قناعات أن أمراضنا العقلية والسياسية، وشتات أمتنا تسببت فيها المؤامرات، لكننا حين نرى دولاً لها مماثل لقضايانا وظروفنا، وكيف انتصرت بوحدتها الداخلية، وقفل المسام التي تأتي منها رياح التآمر وتقسيم المجتمع، وإشاعة العداء للآخر، وكيف حققت معادلة النمو بكل اتجاهاته، مع الأمن العام، نجد أن الأعذار العربية غير صحيحة، لأن مكافحة المؤامرة تأتي بالوعي، والذين يقودون الخلافات ويستثمرونها هم طلائع المجتمع من مثقفين واختصاصيين في مختلف شؤون الحياة، أو الذين يوضعون في قائمة عناصر الوعي.
المسألة معقدة، في تركيبة الشخصية العربية الغريبة الأطوار، والتي تكره التضحيات الكبرى بالمسائل الشخصية، والذاتية لمصلحة المواطن والوطن، أو هي التي غيّبت الأهداف التي على أساسها نسجت الأمم والشعوب سر تفوقها على مشاكلها، والتعالي عليها من خلال سمو الذات، والارتفاع بالمجتمع لتحقيق قيمه العليا، بالتنمية والحياة الكريمة.