مع استمرار المراوحة في نفس المكان، بل التدهور نحو الأسوأ فيما يتعلق بالأزمة الداخلية الفلسطينية والفشل في تشكيل حكومة وحدة وانزلاق الخلافات بين حركتي »فتح« و»حماس« الى تجاوز خطوط حمراء واراقة دم فلسطيني بأيد فلسطينية، ومع استمرار الهوّة بين الموقف السياسي الذي تطرحه الحكومة الفلسطينية برئاسة »حماس« وموقف المجتمع الدولي، بدأت تظهر ملامح سيناريوهات خطيرة أقل ما يقال فيها انها لا تخدم القضية الفلسطينية ولا الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، بل أن بعض هذه السيناريوهات بدأ يجري الحديث عنه سواء في واشنطن أو بعض المحافل الدولية وفي مقدمة ذلك سيناريو »الانفصال« بين الضفة الغربية وقطاع غزة أو ما يطلق عليه باللغة الانجليزية »ذي كوبلنغ«.
هذا السيناريو يعني عزل الضفة الغربية تماماً عن قطاع غزة والتسليم بنفوذ حركة »حماس« في قطاع غزة المحاصر مع تحلل اسرائيل من أي مسؤولية وربما السماح بنوع من العلاقات الخاصة بين مصر وقطاع غزة، ومن الجهة الأخرى التسليم بنفوذ »فتح« في الضفة الغربية المحاصرة أيضاً ومقطّعة الأوصال وربما السماح بنوع من العلاقة الخاصة مع الأردن، بحيث يتم تكريس تجزئة الوطن الفلسطيني الى ما يشبه ولاية »حماستان« في قطاع غزة و»فتح لاند« في أجزاء من الضفة الغربية، وبحيث تكون المنطقتان منعزلتين تماماً عن بعضهما الأولى تحت نفوذ رئيسي الوزراء والثانية تحت نفوذ الرئاسة الفلسطينية وببرنامجين سياسيين مختلفين.
كما يعني هذا السيناريو الخطير قيام الولايات المتحدة واسرائيل بغطاء من المجتمع الدولي وتحت شعار عدم وجود شريك فلسطيني موحد وتحت شعار التناحر الفلسطيني، بتكريس هذا الواقع بديلاً عن الحل العادل والشامل للقضية الفلسطينية بموجب قرارات الشرعية الدولية والاتفاقيات الموقعة بدعوى من الحكومة الفلسطينية والبرلمان الفلسطيني لا يعترفان بهذه الشرعية وتلك الاتفاقيات.
وفي ظل تكريس هذا الواقع تواصل اسرائيل فرض سياساتها بعزل القدس العربية واستمرار الاستيطان في الضفة واستكمال الجدار وتتحلل من أي مسؤولية عن قطاع غزة ويبتعد تحقيق الحلم الفلسطيني بل الحق الفلسطيني في دولة مستقلة واحدة وموحدة في الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس الشريف وتعود قضيتنا مجدداً الى عهد الوصاية والتبعية.
ولمن يستبعد مثل هذا السيناريو نقول ان مصطلح الفصل بدأ يسمع في أروقة صناعة القرار في أميركا واسرائيل وهناك أكثر من مؤشر يدل على نوايا بهذا الاتجاه، مما يفتح الباب واسعاً أمام تدخلات دولية في غير صالح شعبنا الفلسطيني وحقوقه المشروعة.
هذا السيناريو ينضم الى سيناريو آخر لا يقل خطورة ويشجع تحقيقهما استمرار حالة الاحتقان الفلسطينية، ويتمثل في اقدام اسرائيل على اعادة احتلال أجزاء من مناطق السلطة الوطنية في الضفة الغربية أو قطاع غزة بما ينسجم مع اطماع اسرائيل وبما يسد الطريق أمام أي جهد دولي لتحقيق السلام.
والسؤال المهم الذي يطرح ازاء مثل هذه السيناريوهات وازاء ما تشجع عليه الحالة الفلسطينية الداخلية المتردية من الانقسام والتوتر من فرض وقائع على الشعب الفلسطيني من قبل قوى خارجية هو: هل هذا ما تريده »حماس« أو »فتح« أو أي فلسطيني مؤمن بعدالة هذه القضية وبحق شعبنا في العيش بحرية وكرامة في دولة مستقلة على ترابه الوطني؟ وإلى متى سنبقى أسرى هذا الصراع الداخلي المرعب الذي تجاوز خطوطاً اعتقد كل فلسطيني على مدى عقود انها من المحرمات؟ والى متى ستظل شعاراتنا في واد يختلف تماما عما نمارسه على الأرض؟! لقد حان الوقت لأن توقظ هذه السيناريوهات الخطيرة كل الحريصين على قضية شعبنا وحقوقه لاتخاذ القرارات الصائبة قبل فوات الأوان وقبل ان تحل بنا نكبة جديدة لا تقل خطورة عن سابقاتها.