أطرف خبر سمعته قبل أيام هو ما ورد على لسان مقربين من الرئيس الفلسطيني محمود عباس نقلوا عنه انه يتهم الزعيم الفلسطيني الوحيد المتبقي من جيل المؤسسين لحركة فتح فاروق القدومي، بانه بات رجل إيران»!

عجيب غريب أمر السياسة والسياسيين في بلادنا، لست هنا بصدد «تبرئة» الرجل من تهمة سرعان ما تلقَّفها السياسي المحنك ليعلن افتخاره بالتحالف مع دولة من مثل إيران وبالطبع مع سوريا ومع حزب الله وهي البوابة التي ستدخله إلى عالم جديد من التحالفات «المنعشة» لبقية حياته النضالية التي كادت مجموعة محمود عباس ان تسحب منه حتى لقمة العيش بسبب الحصار المالي الذي كانت تطوقه به في تونس حيث يقيم بسبب رفضه دخول الأراضي الفلسطينية المحتلة بتأشيرة إسرائيلية».

لكنني استغرب توجيه مثل هذه التهمة لرجل من مثل فاروق القدومي الآن، وفقط لأنه أعلن موقفاً مخالفاً لما اعتبره الكثيرون من الفلسطينيين خطوةً غير حكيمة وغير مدروسة ـ أي الدعوة لانتخابات تشريعية ورئاسية مبكرة ـ لا تخدم في اللحظة الراهنة سوى مخطط تقويض تجربة حكومة حماس الفتية النضالية.

أقول هذا الكلام وانا اعرف أبو اللطف ـ فاروق القدومي ـ جيداً ومنذ نحو 25 عاماً، وهو الرجل الذي لا تربطه أية رابطة بإيران لا إيديولوجية ولا سياسية ولا فكرية، فهو رجل علماني بامتياز وميوله السياسية بعثية وأفكاره الثورية لا تتطابق مع الأفكار الثورية المتداولة في إيران منذ قيام ثورتها .

وفي مختلف المراحل منذ أيام الحرب الباردة مرورا بالحرب العراقية الإيرانية وحرب غزو الكويت من جانب نظام بغداد وصولاً إلى التصورات الراهنة لإيران حول القضية الفلسطينية، والقيادة الإيرانية لا تزال مترددة تجاه أية خطوة تقاربية أو تحالفية معه، اللهم اذا ما اقترب من قيادات الحركة الإسلامية الفلسطينية.

لماذا إذن كل هذا اللف والدوران في الاتهام؟!

فالرجل معروف لدى عباس وغيره بفلسطينيته ووطنيته الخالصة التي لا يستطيع لا عباس ولا غير عباس أن يزاود فيها عليه وهو ما شرحه القدومي بالتفصيل لدى دفاعه عن نفسه على صفحات القدس العربي.

إن محمود عباس وغيره يعرفون تماماً بأن القدومي في موقفه الذي أعلنه من دمشق إنما يمثل حالة المخاض المستمر الذي تعيشه الجماهير الفلسطينية في الشتات كما في الداخل، وهي تحاول الخروج من مشاريع الارتهان للخارج القادم من بعيد لتثبيت الاحتلال ومشاريع تصفية القضية الفلسطينية مرة باسم السلام والتسوية ومرة باسم التطبيع وأخرى باسم مكافحة الإرهاب وتارة باسم مكافحة الأصولية والراديكالية!!..

وهي بالمناسبة نفس حالة المخاض التي تعيشها الجماهير العربية والمسلمة في أكثر من عاصمة في المنطقة على طريق الخلاص من حالة الانكشاف الأمني والفراغ الاستراتيجي الذي نعيشه.

ألا يعرف السيد محمود عباس أن مشكلته مع القدومي هي نفس مشكلته مع كل فصائل الثورة الفلسطينية وهي نفس مشكلة فؤاد السنيورة مع الأحزاب وفصائل المعارضة الوطنية اللبنانية، وهي نفس مشكلة المالكي في العراق مع فصائل «التمرد والعصيان» الرافضين لما يسمى بالعملية السياسية، وهي نفسها مشكلة حامد كرزاي مع الرافضين لهيمنة قوات حلف الأطلسي على مقدرات أفغانستان؟

أما آن لهؤلاء الذين يصرون على توجيه الاتهامات لقسم كبير من شعبهم بأنه تابع لإيران مرة ولسوريا مرة أخرى ولباكستان أو غيرها كما هي الحالة في أفغانستان مثلاً بأن المشكلة تكمن في سياساتهم المراهنة على الأجنبي واستيراد الحلول من الخارج باستمرار، نعم علينا مواكبة ما يسمى بالتحولات العالمية والأخذ بعين الاعتبار ما يسمى بالمجتمع الدولي والتزاوج في العمل النضالي بين المقاومة والكفاح السياسي والتفاوض، كل هذا تعرفه فصائل الكفاح والنضال الفلسطيني وغير الفلسطيني .

ويعرفه بالتحديد من بلغ من الكبر عتياً وشاب شعره في النضال رجل مثل أبو اللطف، لكن المشكلة يا دولة الرئيس في أن ما يسمى بالمجتمع الدولي هو أنه ليس متوازناً ولا منصفاً ولا عادلاً ويبخسنا حقوقنا باستمرار وتتوقف كل مقولات الدنيا التي يؤمن بها أو يتشدق بها عند بوابات الدويلة المدللة إسرائيل!

فهل يصبح بعدها ذنب حماس أو أبو اللطف إذا ما «كفرا» بهذا المجتمع الدولي؟! أو أنهما عادا إلى زمن «البقجة» الذي تعيرِّهم به من أجل نقل بعض الأموال لفك الحصار عن جزء من الشعب، أو أنهم لجأوا إلى منظمات المجتمع الأهلي الدينية أو المدنية من أجل إعادة اعمار ما تهدم على يد الدويلة الإسرائيلية المجرمة في لبنان، كما يُعيرِّهم قادة ثورة الأرز بعد أن انتظر الجنوب اللبناني ومناطق الفقر والحرمان اللبنانية طويلاً في صف توزيع المعونات الدولية التي إما لم تصل أو وصلت واختفت وذابت في بحر رفاهية الغير كما يذوب الملح.

إن القضية لمن لا يعرف أو يعرف ويحرف نقول هي أبعد بكثير من الخلاف السياسي أو الحزبي أو الفئوي أو الشخصي بين هذا الرئيس أو ذاك وذلك الزعيم أو الرمز أو ذاك من زعماء ورموز الفصائل والجماعات التي تتصدر المشهد السياسي العام في الأقطار العربية والإسلامية، إنها مشكلة ذاكرة وهوية وانتماء ومعركة قيم وأعراف وتقاليد عريقة تحاول شعوبنا أن تتمسك بها وتدافع عنها حفاظاً على ما بقي من مقومات الاستمرار في ظل أطماع رأسمالية متوحشة وعولمة جهنمية لا رحمة فيها ولا هدف فيها سوى تأمين مصالح متعددة الجنسيات من الشركات الأمنية والحربية والاقتصادية التي لا حدود لها!

والحل في فلسطين كما في أي قطر آخر من أقطار وطننا العربي وعالمنا الإسلامي إنما يكمن في العودة إلى الشعوب فهم مصدر السلطات لكن العودة إلى الشعب هذه لا يجوز أن يوظفها «المجتمع الدولي» من جماعة صناع الفتن المتنقلة إلى تخريب أي صيغة لحكومة وحدة وطنية في فلسطين ما لم تكن تحت رحمة هذا المجتمع الدولي الظالم وفي لبنان تصبح من المحرمات وفي العراق «تصبح حدودها الدم والميليشيات».

وخلاصة الكلام فان المشكلة تبقى في القدس وبيروت وبغداد ولا تستطيع لا طهران ولا دمشق ولا حتى أكبر عاصمة وأقوى عاصمة في الكون أن تغير في شيء من معادلة الأوطان إذا كانت محصنة ضد التبعية!!

كاتب إيراني