قال أمين عام الجامعة العربية، عمرو موسى: إن محادثاته مع الأطراف اللبنانية دخلت في التفاصيل؛ حيث «تكمن الشياطين»!. تعبير دبلوماسي يبطّن الاعتراف بأن مهمته أخذت تصطدم بالعقبات والصخور الوعرة على طريقها. ومع أن عبارته جاءت في سياق كلامه عن الأزمة اللبنانية المستعصية والواقفة على مفترق طرق؛ إلا أنها تكاد تختصر جميع جوانب المشهد المتفجر من العراق إلى الصومال؛ مروراً ببيروت وغزة. كلها تعاني من الظواهر نفسها مع فوارق في الدرجات.

جميعها يدور في دوامة التعثر فالتصعيد. والانفتاح على الأخطر. الحوارات بين المعنيين فيها اما مقطوعة واما غارقة في التعجيز. أو في أحسن الحالات، هي تنتج فسحات «تهدئة» أو «هدنة» تتلاشى قبل أن يجفّ حبرها. نقطة التقاطع الرئيسية، تكمن في الفجوة الواسعة بين المتصارعين حول التفاصيل؛ والتي تحول «الشياطين» دون تجسيرها.

لكن «الشياطين» لابدّ وأن يكون هناك من سهّل وسمح لها بالدخول وممارسة الفركشة. ثم لابدّ وان لدى الفرقاء قابلية، إن لم نقل رغبة، لاستضافة إبليس التخريب.فالعقدة مستحكمة وتعذّر تجاوزها، بسبب اعطاب رئيسية قائمة، في مقدمتها انكشاف هذه الساحات إلى الحدّ الذي أدى إلى تعريضها للاستباحة الخارجية.

ثم إنها تشترك أيضاً في كونها أسيرة لمناخ تنمو وتزدهر فيه، كالفطر، عصبيات عمياء، افترست أو تكاد مقومات الوحدة الوطنية الداخلية؛ التي كان يفترض أن تحظى بالأولوية، في حسابات المتنازعين. ربما كانت الساحة العراقية، النموذج الأفصح، لهذه الحالة القاتلة في اللحظة الراهنة.

جميع المعالجات فيها فشلت. الأمنية منها والتصالحية؛ فضلاً عما شهدته العملية السياسية من محطات. بالنهاية كله تعذر عليه بلوغ الوفاق حتى في أضعف صيغة.

الوضع الفلسطيني هو الآخر يعيش الكابوس نفسه. والمأزق الذي وصله بات يهدده في الصميم. مع ذلك تعذّر حتى التوافق على شراكة في حكومة وحدة وطنية. الحسابات السياسية الخاصة واعتباراتها استبدّت بالخطاب السائد. كما استبد التمترس بالمواقف والطروحات. التزحزح صار هزيمة بدلاً من أن يكون فضيلة تقتضيها مصلحة عليا ومصير مشترك. ولا يشذ عن ذلك الوضع في لبنان. كل فريق يتخندق في موقعه. الحلحلة غريبة عنه. بالكاد حصل نوع من التلويح بشيء من الليونة. لكن الملتبسة في كل حال.

في هذه الحالات كافة، يلاحظ أن خطوطاً مشتركة تجمع فيما بينها، وتلعب دور الشيطان. كل فريق ينطلق من قاعدة «الكل وإلا فلا».

لا مساحة للمساومة الحقيقية وبالتالي لقاعدة «لا يموت الذئب ولا يفنى الغنم». أيضاً تبدو القوى المشتبكة وكأنها تمارس باتجاه اللا تراجع، عملاً بالقول المأثور «عليّ وعلى أعدائي».

ثم إن الثقة فيما بينها باتت شبه مدمرة والشعرة تقريباً مقطوعة وطبعاً العامل الخارجي يفعل فعله فيها ويكاد يتحكم بمساراتها ومصائرها، ثم بعد ذلك نضع الملامة على «الشيطان» أو «الحق على الطليان» لكن ذلك لن يغيّر أو يبدّل في الأمر شيئاً. لا شك أن القوى الخارجية تلعب أوراقها في المنطقة. لكن القوى المحلية هي التي تحمل مفتاح الحل كما مفتاح الأزمة، في نهاية الأمر.