الرئيس الأميركي جورج بوش لا يكسب ولا يخسر الحرب في العراق، لكن الشعب العراقي يخسر كل يوم المزيد من دماء أبنائه، في ظل تصاعد الحديث في الأوساط الأميركية ذاتها عن اندلاع حرب أهلية وان أنكر البيت الأبيض الأمر، ورفض الاعتراف بان العنف الطائفي تجاوز كل حد.
بوش الذي وعد بتغيير استراتيجيته في 2007 عبر خيارات صعبة وتضحيات إضافية من اجل مسار ناجح في العراق، يبدو انه لا يزال غارقا في أوهام تحقيق النصر الذي كلف حتى الآن مئات المليارات من الدولارات وما يقترب من حاجز الثلاثة آلاف قتيل في صفوف القوات الأميركية، من دون أن تلوح في الأفق أية بادرة لتطويق العنف الذي ينهش جسد العراقيين الأبرياء، أو الانتهاء من المهمة التي لا يكف بوش عن التأكيد على ضرورة انجازها.
وعلى عكس ما توقع البعض بعد نشر تقرير مجموعة دراسة العراق التي يرأسها وزير الخارجية الأميركي جيمس بيكر والنائب الديمقراطي السابق لي هاملتون، تبدو من إشارات البيت الأبيض وتصريحات المسؤولين الذين يتولون الملف العراقي، ان فرص حدوث نقلة نوعية في أداء الإدارة الأميركية يبدو صعب المنال.
تقرير بيكر ـ هاملتون طالب بإشراك سوريا وإيران في مساعي الوصول إلى استقرار في العراق لكن بوش يرفض مثل هذه الدعوات على خلفية الصراع مع طهران بشأن الملف النووي ودمشق في الأزمة اللبنانية.
نفس الموقف بادر إلى إعلانه وزير الدفاع الأميركي الجديد روبرت غيتس في أول زيارة للعراق بعد توليه منصبه وكان أكثر تشدداً بإعلان أن القوات الأميركية جاءت لتبقى في الخليج.
النقطة الأخرى، وهي دعوة تقرير بيكر ـ هاملتون إلى جدولة الانسحاب الأميركي من العراق لكن إدارة بوش تفكر جديا في زيادة حجم قواتها هناك وهو ما حاولت زيارة غيتس التأكيد عليه وان جاء على لسان بعض الجنود الذين يبدو انه جرى اختيارهم لعكس هذا الرأي أمام الوزير الزائر، رغم ان هذا الموقف كان محل خلاف بين البيت الأبيض.
وبعض كبار قادة وزارة الدفاع (البنتاغون) الذين حذروا بوش من أن زيادة عدد القوات الأميركية في العراق في الأمد القريب قد يحفز جميع الفصائل المسلحة على تكثيف عملياتها من دون أن يعزز موقع القوات الأميركية أو قوات الأمن العراقية على المدى البعيد.
هاتان النقطتان الجوهريتان في توصيات لجنة بيكر هاملتون يتم التعامل معهما علنا بهذا النوع من الاستخفاف، فما بالنا مع العناصر الثانوية التي حفل بها التقرير، وهل بعد ذلك يمكن أن نتوقع تغيرا جذريا لمسار الإدارة الأميركية في العراق؟.
نعم هناك سيف الضغوط التي يرفعها الديمقراطيون الذين باتوا مسيطرين على القرار التشريعي في الكونغرس، لكن المكابرة والعناد لم تبرحا مكانهما رغم رحيل دونالد رامسفيلد وقدوم غيتس إلى واجهة البنتاغون الذي يعتقد البعض انه سيكون جسرا لتمرير الاستراتيجية الأميركية الجديدة.
وحتى تتضح معالم هذه الاستراتيجية الجديدة، يستمر سريان نهر الدم العراقي المتدفق منذ الغزو الأميركي لبلاد الرافدين في مارس 2003، إرضاء لمهمة بات تحقيقها شبه مستحيل بعد أن اتسع الرقع على الراتق، بتداخل وتشابك الخيوط التي ظن الأميركيون أنها ستكون في قبضتهم طوال الوقت، وإذ بها تتسرب من بين أيديهم تحت عوامل شتى.
تغيير المسار في العراق، أمر أصبح ضروريا، والالتفاف على الطريق واضح المعالم الذي يضع في الاعتبار أن العراق في نهاية المطاف للعراقيين وان المنطقة لأصحابها، لا يحتاج إلى كبير عناء بعد أن أثبتت المسارات الأخرى فشلها.
المأزق الأميركي في العراق أكد للمرة الألف أن أوهام فرض السياسات على الآخرين بالقوة، خيار فاشل، وتحقيق المصالح على رقاب الناس لن يتحقق طوال الوقت، واحترام إرادة الشعوب هو الأساس في كسب ودها وتعاطفها، فالقنابل لا تحصد ورداً.