عندما استقبلنا الأخ إسماعيل هنية في نقابة الصحافيين المصريين أثناء زيارته الأخيرة للقاهرة أوضحت في المؤتمر الصحافي يومها أن أحداً في العالم العربي لا يجد مبرراً لقتال الأشقاء في «فتح» و«حماس» على سلطة لا تملك من أمرها شيئا، ولا أحد يتصور أن الدم الفلسطيني يتم إهداره بالسلاح الفلسطيني في صراع على حكومة يقف رئيسها ست ساعات على المعابر ينتظر السماح له بالعبور إلى مصر (وينتظر مثلها بعد ذلك عند العودة بحجة وجود أموال معه!!)..
وقد عبر الأخ هنية عن وجهة نظر «حماس» في هذا الخلاف، لكن السؤال ظل قائماً حتى انفجر الموقف بالصورة المأساوية التي تم بها في الأسبوع الماضي، ورغم نجاح محاولات التطويق في محاصرة القتال، فإن الحرب الأهلية لم تعد «المستحيل» الذي لا يمكن تصوره على الساحة الفلسطينية، بل إن تجنبها هو «المعجزة» التي نتمنى جميعاً أن تتحقق.
إن الصراع بين الفصيلين الفلسطينيين الرئيسيين والذي تفاقم بعد هزيمة «فتح» وتحقيق «حماس» لفوز فاق توقعاتها في الانتخابات التشريعية في العام الماضي، هو صراع تمتد جذوره إلى سنوات طويلة من تاريخ النضال الوطني الفلسطيني في ظل انطلاق المقاومة المسلحة من خارج فلسطين.
وفي ظل وجود معظم الشعب الفلسطيني لاجئاً في الخارج، وفي ظل صراعات عربية شديدة ومحاولات الكثير من الأنظمة العربية استخدام الورقة الفلسطينية، وفي ظل حرب باردة بين الغرب والسوفييت كان الشرق الأوسط أحد مسارحها..
في ظل ذلك كله تعددت التنظيمات الفلسطينية، وتباينت توجهاتها وارتباطاتها. ولأن حجم الزعامة التاريخية لعرفات كان أكبر من صراعات الفصائل فقد حاول ـ من خلال منظمة التحرير ـ أن يحقق التوافق بين كل الفصائل وكان ذلك سهلاً قبل دخوله في محاولات التسوية السياسية، ولكنه أصبح صعباً بعد ذلك مع التباين حول تفاصيل التسوية وحدودها بين البعض، والتباين حول قبول مبدأ التسوية السياسية من أساسه من قبل البعض الآخر.
كان عرفات بلا شك يدرك أن مهمة تحقيق الاستقلال لا يمكن أن تتم في ظل صراعات داخلية، وأن التاريخ يؤكد على ضرورة أن تكون هناك قيادة واحدة أو موحدة في هذه المرحلة تمثل الشعب ـ بكل فئاته ـ المتفق على هدف التحرير والاستقلال، وأن الفرز السياسي يأتي بعد إنجاز المهمة وتحقيق الاستقلال وبدء عملية بناء الدولة الداخلي..
فهنا يكون التباين ويكون الفرز بين يسار ويمين حول مختلف القضايا الأساسية. لكن عرفات كان يريد أيضا تجنب المعارك الجانبية وتجنب الصدامات (قدر المستطاع) مع الأطراف العربية. ومن هنا كان تغنيه ب«الديمقراطية» الفلسطينية التي تجعل من الثورة الفلسطينية ثورة فريدة في طبيعتها.
وكان عرفات مطمئنا إلى هذه ال«الديمقراطية» ما دامت قبضته قوية على منظمة التحرير التي كانت تنفرد بقيادة النضال الفلسطيني في هذه المرحلة، ومادامت «فتح» هي الفصيل المهيمن، ومادام هو مهيمنا بالكامل على «فتح»، ومادامت الموارد المالية للمنظمة تحت تصرفه.
وكانت الظروف صعبة حين انتقل عرفات من الخارج إلى الداخل. فعلى المستوى الدولي كان الاتحاد السوفييتي قد انهار وانفردت الولايات المتحدة بالقرار في القضايا العالمية الأساسية. وعلى المستوى العربي كان عرفات ومنظمة التحرير يدفعان فاتورة موقف تأييد صدام في غزو الكويت.
وعلى المستوى الفلسطيني كان عرفات يدخل إلى الأرض الفلسطينية مع رفاقه من القيادات القديمة لفتح ليجد جيلاً جديداً من شباب «فتح» تربى في حضن المواجهة المباشرة مع العدو الإسرائيلي، وليجد أيضاً منظمة «حماس» وقد أقامت بنية أساسية اقتصادية واجتماعية وثقافية وخدماتية أتاحت لها نفوذاً كبيراً خاصة في قطاع غزة استفادت فيه من تأييد بعض الأطراف العربية التي كانت تريد معاقبة عرفات على موقفه من حرب الخليج الأولى.
ورغم فساد شاب الإدارة وصراعات بين أجيال «فتح» المختلفة، فقد استطاع عرفات إدارة الأمور حتى انقلب الموقف بعد رفضه تقديم التنازلات المطلوبة في كامب ديفيد، ثم بعد مجيء بوش إلى البيت الأبيض وتبنيه سياسة شارون بالكامل نحو القضية الفلسطينية.
وانتهى الأمر بعرفات سجيناً في مقره حتى اغتياله، وجاء أبو مازن الذي كانت الإدارة الأميركية تتغنى باعتداله، مع ذلك لم تعطه واشنطن شيئاً، واستغلت إسرائيل التماهي بين السياسيتين الأميركية والإسرائيلية بعد أحداث 11 سبتمبر لكي تشن حرب إبادة على الشعب الفلسطيني بتغطية كاملة من واشنطن.
وفي ظل هذه الظروف جرت الانتخابات التشريعية في العام الماضي، دفعت «فتح» ثمن فساد شاب ممارسات السلطة الجديدة، وثمن التفكك الذي نشأ بين كوادرها خاصة بعد رحيل عرفات، وثمن تخلي أميركا عن «أبو مازن» الذي لم تقدم له شيئاً بسبب خضوع البيت الأبيض لنفوذ اللوبي الصهيوني وانحياز الإدارة الأميركية بالكامل لإسرائيل. واستفادت «حماس» من كفاءة تنظيمها ومن تقدير الجماهير لتضحياتها في الانتفاضة ومن خيبة أمل الجماهير الفلسطينية في حكومة «فتح» ®.
واكتسحت «حماس» الانتخابات ليبدأ فصل جديد من المأساة الفلسطينية. فأميركا والغرب الذين هللوا لتجربة الديمقراطية الفلسطينية أنكروا نتائجها وفرضوا الحصار على الشعب الفلسطيني، و«فتح» لم تبتلع الهزيمة، و«حماس» لم تستعد للانتصار..
هكذا سارت الأمور حتى وصلنا إلى وضع يهمين عليه شبح الحرب الأهلية كما لم يحدث من قبل في تاريخ الثورة الفلسطينية. وتبلغ المأساة ذروتها أن يصبح الأمل هو المحافظة على الهدنة الهشة بين «حماس» و«فتح»®. بينما الكل ملتزم التزاماً تاماً وصارماً بالهدنة مع العدو الإسرائيلي!!
إن جهوداً كبيرة تبذل من أطراف فلسطينية وعربية لمنع الانجرار إلى الحرب الأهلية الشاملة بين الطرفين، ولتثبيت وقف إطلاق النار، وللعودة لمواصلة الحوار من أجل حكومة الوحدة الوطنية التي فشل الطرفان في الاتفاق عليها طوال الشهور السابقة.
وللأسف الشديد، ومع ثقتي بوعي شعبنا الفلسطيني، فلست متفائلاً بقدرة هذه الجهود في الوصول إلى حل جذري ما لم يتعامل الجميع مع جذور المشكلة. وبدون ذلك قد يتم تثبيت الهدنة، وقد يعود الطرفان للحوار، وقد يتبادل الزعماء القبلات، بل وقد يتم الاتفاق على حكومة الوحدة الوطنية، ولكن سيبقى أصل المشكلة كالقنبلة الموقوتة القابلة للانفجار في أي لحظة.
إننا أمام مشكلة عمرها من عمر انطلاق الثورة الفلسطينية، وقد تفاقمت أخيراً وكان لابد أن تتفاقم مع سلطة برأسين تتقاسم الأجهزة الأمنية والأسلحة ويختلف الطرفان الأساسيان فيها على الأسس وليس على الفروع. وكما كان الأمر من البداية فإنه يبدو أكثر إلحاحاً اليوم.. أن يتم الإقرار من الجميع بأنه لا يمكن للشعب الفلسطيني أن يمر بهذه المرحلة الصعبة بدون قيادة موحدة.
وهو أمر لا يعني مجرد تشكيل حكومة يتفق الطرفان على أعضائها، وإنما أن يكون الاتفاق أساسا على برنامج عمل وطني يلتزم به الجميع.. برنامج يقرر هل سيقبل الفلسطينيون بالتسوية السياسية أم لا؟ وما هي حدود هذه التسوية إذا تم الاتفاق على قبولها من حيث المبدأ؟ ومن الذي سيكلف بالتفاوض وعلى أي أساس؟ وما هي وسائل حل الخلافات الداخلية حتى يظل الموقف موحداً تجاه العدو؟
إلى أين بعد ذلك؟ كل الاحتمالات مفتوحة ولكن أفق الحل المطلوب مازال غائباً في ظل رهان كل طرف على أن الظروف القادمة في صالحه.. «حماس» ترى أن الفشل الأميركي في العراق والفشل الإسرائيلي في لبنان وحاجة أميركا لمساعدة طهران ودمشق للخروج من المأزق العراقي كلها تصب في صالحها خاصة مع فشل «فتح» في استعادة وحدتها وفعاليتها.
وأبو مازن على الطرف الآخر يرى أن عبء الحصار سيثقل ظهر الشعب الفلسطيني، وأن إدراك واشنطن وأوروبا مرة أخرى أن لا استقرار ولا حل لقضايا الشرق الأوسط بدون تسوية القضية الفلسطينية كلها عوامل تصب في مصلحته، خاصة إذا استعادت فتح وحدتها (وهو أمر يبدو بعيداً) .
وإذا ساعدته أميركا وأوربا مساعدة حقيقية بتحقيق بعض الإنجازات السياسية والاقتصادية بدلا من قبلة الموت التي يمنحونها له بإعلانهم الانحياز لصفه في مواجهة حماس. كل الاحتمالات مفتوحة، وكل الاحتمالات سيئة، لأن الخيار الصحيح مازال غائباً في ظل الصراع على سلطة لا تملك من أمرها شيئا. صراع أرجو ألا ينتهي ب«كانتون» لحماس في غزة، وآخر لفتح في الضفة، وعلى فلسطين السلام!!
نقيب الصحافيين المصريين