على الرغم من كل الجهود الحثيثة التي تبذلها الأطراف العربية من أجل احتواء الأوضاع المتفجرة والأزمات المتفاقمة في فلسطين والعراق ولبنان والصومال، إلاّ أن كل الدلائل والمؤشرات لا تنبئ عن تفاؤل كبير بشأن نجاح تلك الجهود العربية في إيجاد الحلول والمعالجات للأزمات الناشبة باعتبار أن ما يطرح ليس أكثر من مسكنات آنية، ينتهي مفعولها بمجرد الحديث عنها في وسائل الإعلام.

لقد أظهرت الدول العربية، خلال الأيام الماضية، قلقاً واضحاً مما يطفو على سطح المنطقة من احتقانات وتداعيات، وبرزت ملامح هذا القلق في البيانات الصادرة عنها بشأن تطورات الخلاف بين حركتي حماس وفتح، وكذا حالة الانقسام السياسي التي تشهدها الساحة اللبنانية، والمآسي التي تخلفها مظاهر العنف الطائفي في العراق.. فضلاً عن التطورات الكارثية في الصومال بفعل الانتحار المجاني الذي ازداد شراسة في اليومين الماضيين.

ومع أننا لا نشك في وعي العرب بخطورة هذه الأزمات وتأثيراتها على مجريات الأمن والسلم الإقليمي والقومي والدولي، ومع ذلك فإن مثل هذا الوعي لم يعد وحده كافياً فالمشكلة لا تتوقف عند حدود الفهم لجسامة التحديات التي تفرضها تلك الأزمات وإنما في عجز العرب عن صياغة التوجهات الإيجابية التي تمكنهم من إدارة صراعاتهم الداخلية بشكل يعكس أمام الآخرين تناغم الأداء العربي الجماعي وقدرته على تجاوز خلافاته وتبايناته الثانوية، التي توفر الغطاء للتدخلات الخارجية للإضرار بالمصالح القومية وإضعاف وحدة الموقف العربي.

والأمر المؤسف أن يتوارى كل ذلك الإدراك، حينما يتطلب الأمر استشعار العرب، بأن الجهود الفردية لا يمكن أن تصبح البديل الملائم للتحرك المشترك والعمل المؤسسي المؤطر بالإحساس العميق من أن الأخطار والتحديات التي تُلبِّد غيومها سماء منطقتنا، هي أخطار لن تستثني أحداً، وأن الأمن القومي العربي هو كلٌُّ لا يتجزأ، وأية ثغرة تحدث في إحدى ساحاته فإن تأثيراتها السلبية ستلقي بظلالها على كافة الأجزاء.

وإذا ما سلمنا بهذه الوقائع فلا ندري ما هو العائق الذي يحول دون التنادي العربي لعقد قمة عاجلة تخصص للوقوف أمام تعقيدات الوضع الراهن مع أن في رصيد الأمة من تجارب الماضي ما يكفي للاستدلال على أن التحركات غير المسنودة من الإجماع العربي، تظل قاصرة ومحدودة الأثر.

وهو ما يتأكد اليوم في الأحداث المؤسفة أكان ذلك في فلسطين أو في العراق أو في الصومال، فالفلسطينيون يقتتلون في وضح النهار والعراقيون يسفكون دماء بعضهم البعض والفرقاء السياسيون في الصومال يشعلون الحرائق التي يصطلي بنيرانها وسعيرها الجميع ودون أي تمييز.

وما يحز في النفس أن تجري كل هذه المعارك بين أشقاء تجمعهم روابط الانتماء والهوية والعقيدة والوطن الواحد وليس بينهم ثأر يدفعهم إلى تلك المهالك التي جعلت منهم جميعاً ضحايا أنفسهم.

وفي خضم هذا المشهد المؤلم فإن الواجب أن يسارع العرب لتطويق هذه الأزمات قبل أن تتحول إلى بؤر يصعب محاصرة حرائقها وتجنب الشرر المتطاير عنها.. وحتى تصبح المعادلة صحيحة فلا بد من التخلي عن تلك السلبية غير المبررة واستيعاب الواقع الراهن الذي تبدو فيه الأمة تمر في أحلك الظروف وأن الضرورة تفرض مواجهة هذا الوضع المقلق في موقف ينتصر لحق هذه الأمة في الأمن والاستقرار وينحازوا لتطلعات أبنائها في التقدم والتطور وتحقيق الحضور المؤثر الذي يليق بمكانة هذه الأمة.. وذلك لا يمكن أن يأتي عن طريق التمني وإنما بالإرادة وصحوة الضمائر والعمل المقترن بواقعية الرؤية وواحدية الموقف وقابلية التطبيق والتنفيذ على أرض الواقع.